إسهامات

اقتضت مشيئة الله سبحانه أن تكون الحياة في الدار الدنيا حياة محدودة حتى لا يشارك الخالق في صفة البقاء، ولم يخالف في ذلك أحد من الناس لأن تناهي الأعمار فيها أمر لا يتفاوت الناس في معرفته، وقد جعلها الله سبحانه مرحلة من مراحل العبور التي يجتازها الإنسان، والناس فيها متفاوتون في الراحة والتعب والنعيم والبؤس، ولا يعود تفاوتهم هذا إلى قدر تفاوتهم في النفع والضر، والاستقامة والانحراف، والطاعة والعصيان، فرُبَّ ذي سريرة طاهرة وخلق مستقيم، ومسارعة إلى الخير يقضي حياته كلها في نكد وبؤس، ومعاناة وحرمان.

ورُبَّ ذي سريرة خبيثة، وشراسة في الأخلاق، وسوء في المعاملة يتسنَّى له ما يريده، وتتوفر له أسباب الراحة، وتجتمع له أنواع الملاذَ، وفي هذا ما يجعل الإنسان يعتقد اعتقاداً جازماً أن النعمة والبؤس في الدنيا ليسا جزاءً على ما يقدمه العبد من خير أو شر، مع القطع بأن الناقد بصير، والحاكم عدل، فلذلك كانت النفوس تتطلع بفطرتها إلى حياة بعد هذه الحياة يجني فيها كل عبد ما غرس، ويحصد ما زرع، ويجد ما قدَّم، وقد تعاقبت الرسالات الإلهية مبشرة ومنذرة بتلك الحياة، ولم يختلف المؤمنون بها في كونها تختلف عن الحياة الدنيوية المنصرمة، فهي حياة خلود ودوام.

وإذا أدركت أن الحياة في الدار الآخرة لا تنتهي لأنها حياة مصيرية وليست حياة مرحلية، وحياة جزاء لا حياة كسب، فاعلم أن جزاءها جزاء أبدي، سعادة كان أو شقاء، إذ لا فرق بين ثوابها وعذابها، وإن ذهبت طوائف من الناس إلى التفرقة بينهما، وفي مقدمة هؤلاء اليهود، الذين حكى الله عنهم هذا القول في سلسلة تعداد مثالبهم، وأنكره عليهم، وطالبهم بدليل يستندون إليه فيه، وبيَّن بأصرح عبارة أن الحق خلاف ما يقولون، وذلك حيث قال: ﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ البقرة: 80-81.

-بتصرف-

المصدر: كتاب الحق الدامغ. تأليف: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. ص188-190

شاركنا بتعليقك