إسهامات

تمهيد:

أخي المسلم: تعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بالغيب وأن نستسلم لكل ما أخبر الله عنه استسلاماً مطلقًا وأن نجزم بصدق ما بيَّنه الله تعالى لنا في كتابه أو على لسان أحد أنبيائه لأن الإيمان بالغيب صفة من صفات المتقين ﴿ الم. ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ البقرة: 1-3، ولا يخفى أن القضاء والقدر أمران متعلقان بالغيب؛ فالإنسان لا يعلم ما قضى الله له في حياته ولا ما قدر له بعد وفاته.

أوّلاً: ما معنى القضاء والقدر؟

أ) المعنى اللغوي:

القضاء: يأتي لعدة معان منها الخلق كقوله تعالى: ﴿  فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ فصلت: 12.

ويَردُ؛ بمعنى الحكم مثل قوله تعالى: ﴿  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الجاثية: 17.

ويأتي بمعنى الأمر: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الإسراء: 23.

القدر: ورد القدر لمعان منها الخلق كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ الأعلى: 3.

ومنها التقدير كقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ المؤمنون: 18.

ب) المعنى الاصطلاحي:

القضاء: هو عبارة عن وجود المكوِّنات في اللوح إجمالا، أو هو إيجاد جميع الكائنات إجمالا في اللوح المحفوظ وفي علم الله تعالى، أو هو إثبات الأشياء في اللوح إجمالا.

القدر: هو عبارة عن وجود المكونات في المواد تفصيلا، أو إيجاد جميع الكائنات تفصيلا في المواد الخارجية واحدة بعد آخر قال تعالى: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ الحجر: 21. أو هو إيجاد الأشياء في المواد تفصيلا.

ثانياً: حكم الإيمان بالقضاء والقدر.

أخي المسلم: اعلم أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان يجب أن يؤمن به الإنسان ويجزم أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأنه لا يَحدث شيء في الوجود إلا بإرادة الله ومشيئته وأن الإنسان لا يصاب بخير ولا شر إلا بقضاء الله وقدره.

ثالثا: الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر.

سئل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أنه من الله ".

وروى الإمام الربيع بن حبيب -رحمه الله- عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: " إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله " قال: قلت يا رسول الله: وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: " تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير ذلك دخلت النار ".

قال الإمام السالمي رضي الله عنه: "قوله (ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان) أي لن تصل إلى حقيقته الواجبة شرعا إلا بذلك لأن الإيمان بالقدر جزء من الإيمان الكلي وإذا انتفى جزء الحقيقة انتفت الحقيقة كلها، وقوله (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره) أي حتى تصدق أن ذلك كله من الله تعالى وأنه ليس للعبد فيه إلا الكسب فبالكسب يثاب وعليه يعاقب".

رابعا: ارتباط القضاء والقدر بالإيمان بالله تعالى.

أخي المسلم: إن الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة من العقائد التي أسسها الإسلام على الإيمان بالله عز وجل وبناها على المعرفة الصحيحة لذاته العليا، والإيمان بالقضاء والقدر جزء من الإيمان بالغيب و"مفهوم الغيب يصدق على كل ما غاب عن الحواس سواء اهتدى إليه الإنسان بعقله أو دله عليه دليل الوحي".

أخي المسلم: اعلم أن قوة الإيمان بالقضاء والقدر تتعلق بقوة الإيمان ببعض صفات الله تعالى لذا فمن أدرك حقيقة هذه الصفات ووعى معناها وصل إلى الإيمان بقضاء الله وقدره وهي:

1. العلم الواسع:

إن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون فمثلا: يعلم أن زيد سيكون طائعا فيقدر له أسباب الطاعة، ويعلم أن عمرا سيكون عاصيا فيقدر له أسباب ذلك من غير إكراه لأحدهما، ولكن بناء على ما سبق من علمه الشامل بما سيكون عليه كل منهما.

2. الإرادة المطلقة:

الله عز وجل يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه لذلك فإن كل عمل يفعله الإنسان من خير أو شر لا يخرج عن إرادة الله تعالى المطلقة.

3. القدرة الكاملة:

إن الله تعالى قادر على كل شيء ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: 259. فلا يمكن أن يعمل الإنسان عملا بقدرته المستقلة ولكن بقدرة الله تعالى التي تخلق الفعل وتهيأ الأسباب للإنسان لما يريد أن يعمله قبل كسبه.

4. الخلق:

إن الله تعالى خالق كل شيء حتى الحركات والسكنات والأقوال والأفعال والطاعات والمعاصي ثم يكتسبها بنو البشر فيترتب على اكتسابهم الاختياري الثواب والعقاب، ولذلك لا يتصور أن يكون الإنسان خالق لأي شيء.

يتبع...

مقال الومضة المقبلة: الإيمان بالقضاء والقدر (02): بين الجبر والتخيير.

المصدر: كتاب عقيدتي. للمؤلف: سلطان بن سعيد بن سليم الهنائي. ص60-63.

شاركنا بتعليقك