إسهامات

هذا المقال تتمة لمقال الومضة السابقة: الإيمان بالقضاء والقدر (1): تعريفه وحكمه.

خامسا: الإنسان بين الجبر والتخيير.

أيها المؤمن العزيز:

  • وهل الإنسان مجبر على كل شيء؟ أم هو مخير في كل شيء؟ أم هو بين الجبر والتخيير؟ وهل الإنسان مخير بين الإيمان والكفر؟ أم هو مجبر على أحدهما؟
  • هل الإنسان مجبر على فعل المعاصي وارتكاب الذنوب؟ أم هو مخير في فعلها أو تركها؟
  • هل الإنسان هو الذي خلق أفعاله (أفعال الخير وأفعال الشر)؟ أم أن الله هو الذي خلقها؟
  • إذا كان الإنسان خالقها فهل هناك خالق غير الله؟! وأين الإرادة المطلقة والقدرة الكاملة لله تعالی؟! وإن كان خالقها الله سبحانه وتعالى فلماذا يعاقب الإنسان عليها؟

أخي العزيز: لعلك حدثك نفسك عن الأسئلة السابقة أو عن شيء منها فلذلك لنكن معا مستعينين بالله تعالى في الجواب عليها.

أخي القارئ: اعلم أن القضاء والقدر يتعلقان بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرفاتهم على نوعين واضحين متميزين لكل نوع منهما حكمه الخاص وآثاره المترتبة عليه وهما:

1. قضاء الله وقدره الجبري الذي لا اختيار لأحد من الناس فيه.

2. قضاء الله وقدره الذي جعل الاختيار فيه للإنسان ورتب عليه الثواب والعقاب.

أوّلاً: قضاء الله وقدره الجبري الذي لا اختيار لأحد من الناس فيه ويظهر في أمور منها:

  • العقول وتفاوت القدرات (من حيث الذكاء والغباء، والحفظ والفهم وغيرها).
  • الطول والقِصر.
  • الهدوء والعنف.
  • في الجمال والقبح.
  • زمان الولادة والنهاية ومكانهما.
  • والجنس (ذكر أو أنثى).
  • في الحياة والموت، الصحة والمرض، السعة والضيق وهكذا..

ويدل على هذا النوع من القضاء والقدر القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ آل عمران: 5-6. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ القصص: 68؛ فيجب على المؤمن أن يجزم ويعتقد أن هذه الأمور مسلم بها مفرقة على أصحابها من قديم، جفت الأقلام بها فلا راد لها والله وحده هو الذي ينفذها في خلقه كما يشاء وكما يريد لا قدرة لهم ولا اختيار.

ثانياً: قضاء الله وقدره الاختياري (أي جعل الاختيار فيه للإنسان):

أخي المؤمن: تعلم أن حكمة المولى جل وعلا اقتضت أن يجعل للإنسان الاختيار في أمور، وهي لا تخرج عن قضاءه وقدره منها:

  • الإيمان والكفر.
  • الطاعة والعصيان.
  • الاستقامة والانحراف.
  • أكل الحلال أو الحرام.
  • الجد والاجتهاد أو التقصير والإهمال.
  • واختيار الزوج ........... وغيرها.

وقد ثبت هذا النوع بالدليل القرآني أيضا فالله تعالى يقول: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف: 29، ويقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ يونس: 108. ويقول تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ النساء: 80. ويقول: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ النساء14، ويقول: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فصلت: 17، وقال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ التكوير: 28.

أخي المسلم: لو تأملت في الآيات السابقة لعلمت أن الله تعالى قد جعل اختيار الإيمان والكفر والهداية والضلالة والطاعة والمعصية بيد الإنسان فيجب علينا أخي المسلم أن نؤمن بذلك.

نتائج لما سبق:

  • القضاء والقدر نوعان جبري واختياري.
  • يعيش الإنسان بين الجبر والاختيار.
  • الإنسان ليس مجبرا على الإيمان أو الكفر ولا على الطاعة أو العصيان ولكنه مخير بينها.
  • يترتب الثواب والعقاب على النوع الثاني من القضاء والقدر وهو الذي جعل الاختيار فيه للإنسان، أما النوع الأول فلا يترتب عليه ثواب ولا عقاب. فمثلا لا يعذب الإنسان على طوله أو قصره ولا يعاقب على الزمن الذي خلق فيه وهكذا، ولكنه يعاقب على ترك الواجبات وفعل المحرمات لأنها مسرح للاختيار.

أخي العزيز: هل الإنسان هو الذي خلق أفعاله؟ والجواب لا، وإنما خالقها الله سبحانه وتعالى لأنه لا خالق سواه فهو القائل: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الرعد: 15، وقد بين الله تعالى أنه خالق للإنسان وأعماله:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات: 96، وبذلك نقطع أنه لا خالق غير الله جل وعلا ولذلك لا يحدث شيء في الكون إلا بقدرة الله وإرادته ولا يقع فعل إلا وربنا له مقدر.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال إذا كان خالق أفعال الإنسان (الخير أو الشر، الطاعة أو المعصية ... إلخ) هو الله تعالی فلماذا يعاقبه عليها؟؟

أخي المؤمن: علمت فيما سبق أن الإنسان مخير بين الطاعة والعصيان اللذين يترتب عليهما الثواب والعقاب وذلك أن كل فعل تتعلق به قدرتان و إرادتان:

1. قدرة الله تعالى وإرادته، وهما اللتان تهيئان أسباب الكسب للعبد وتخلقان له الفعل إذا أراد الله تعالى وقوع الفعل منه؛ متى؟ عندما يريد اكتسابه (الفعل) سواء كان حقا أو باطلا من غير إكراه للعبد عليه، وقد لا يريد وقوعه فيجعل له من الموانع ما يصرفه عنه.

2. قدرة العبد وإرادته وهما متعلقتان بكسب الفعل ولا تستقلان بإیجاده وهذا الذي يعاقب عليه الإنسان ويثاب.

مثلا (أ): ضرب زيد يتيماً تأديباً.

فعل الضرب ....... خلقه الله تعالی.

اكتساب فعل الضرب ....... زيد باختياره.

يثاب زيد لأنه ضرب اليتيم لمصلحة.

مثلا (ب): ضرب زيد يتيماً ظلماً.

فعل الضرب .... خلقه الله تعالى.

اكتساب فعل الضرب ........... زيد باختياره.

يعاقب زيد لأنه ضربه ظلماً وعدواناً.

قاعدة:

كل فعل ينسب إلى الله تعالى فالمقصود به خلق الله لذلك الفعل مثلا ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا الكهف: 17، فيقصد بــــ (يهد) و(يضلل) خلق الهداية وخلق الضلال وتهيئة أسبابهما وهكذا.

وكل فعل ينسب إلى الإنسان فالمراد به اكتساب الإنسان لذلك الفعل، مثلا: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا الإسراء: 15. فالمراد بالهداية هنا اكتساب الهداية من قِبل الإنسان ... وهكذا.

يتبع...

مقال الومضة المقبلة: الإيمان بالقضاء والقدر (3): آثاره.

المصدر: كتاب عقيدتي. للمؤلف: سلطان بن سعيد بن سليم الهنائي. ص63-68

شاركنا بتعليقك