إسهامات

إِنَّ العقل البشري قاصر عن إدراك الأمور الغَيْبِيَّة وغير المَادِّيَّة، وإذا تجاوز تفكير الإِنسَان عالم المَادَّة تخبَّط، وتاه، وبقي حائرا يتساءل: من أين جاء؟ وما مصيره؟ ما المقياس الذي يُعرف به الحسن والقبح؟ والعدل والظلم؟ وكيف يعبد خالقه؟... لذا اقتضت رحمة الله وحكمته أن يوحي للبشر بالإجابة عن مثل تلك الأسئلة، والتي لا يستطيع العقل وحده الوصول إليها، فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.

أَوَّلاً: وجوب الإيمان بالكتب

إِنَّ الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله عَلَى رسله أمر واجب، ويجب تخصيص القرآن منها، قَالَ تَعَالىَ: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا النساء: 136، وإنكار بَعض منها، أو التكذيب بحرف منها بعد ثبوته يعتبر كفرا، قال تَعَالىَ لبني إسرائيل: ﴿..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ.. البقرة: 85.

ثانياً: تعريف الكتب والصحف

لغة: الكِتَاب: مصدر كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابة. وأصل الكَتْب: ضمُّ أديم إِلىَ أديم بالخياطة، واستعمل عرفا في ضمِّ الحروف بَعضها إِلىَ بَعض. والمقصود بِالكِتَابِ: اسم المفعول، أي المكتوب، وَهُوَ ما خُطَّت فيه الحروف والكلمات. والصحيفة: هي الورقة المكتوبة، وجمعها صحف وصحائف. والصحيفة وَالكِتَاب مترادفان. اصطلاحا: الكتب والصحف هي ما أوحى به الله إِلىَ رسله لتبليغه للناس، وعندما يُجمع ويدوَّن يُسَمَّى كِتَابا.

ثالثاً: عدد الكتب والصحف

لم يَرِد في القرآن الكريم عدد الكتب والصحف، وَإِنَّمَا وردت فيه أسماء بَعض الكتب مضافة إِلىَ رسل أنزلت عَلَيْهِم. وجاء في الخبر عن أبي ذر أَنَّ عدد الصحف والكتب هو أربعة ومائة كِتَاب: خمسون عَلَى شيث، وثلاثون عَلَى إدريس، وعشرة عَلَى إبراهيم، وعشرة عَلَى موسى قبل التوراة، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، والقرآن لسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليهم وسلَّم أجمعين. قَالَ تَعَالىَ عن بَعض الصحف: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى النجم: 36 ـ 37. وقال عن التوراة: ﴿إِنَّآ أنزَلْنَا التَّوراةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ المائدة: 44، وقد سماها ألواحا في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ الأعراف: 145، وقد تكون الصحف والتوراة والألواح شَيْئًا واحدا. وقال عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ.. المائدة: 46. وقال عن الزبور: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا الإسراء: 55.

رابعاً: خصائص الكتب والصحف

لقد خاض بعض العلماء في مسائل مُتَعَلِّقَة بالموضوع، كمناقشة تفاضل الكتب كتفاضل الأنبياء المنزلة عَلَيْهِم، والخوض في الاشتقاقات اللغوية لأسمائها، وردُّوا كثيرا منها إِلىَ اللسان العَرَبِيِّ، ولو بتكلُّف، وكذلك تحدَّثوا عن زمن نزولها، وَلَكِن كُلُّ هَذَا لا طائل من ورائه، ولا نصَّ صريحا أو صحيحا فيه. أَمَّا الخصائص الثابتة بِنَصِّ القرآن الكريم للكتب فَإِنَّنَا نذكر منها ما يأتي:

1. كُلُّ الصحف والكتب تَتَّفِقُ في العقيدة ومكارم الأخلاق، مثل: إفراد الله تَعَالىَ بالعبادة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ الأنبياء: 25. ولكنها تختلف في بَعض الشرائع والأحكام، قَالَ تَعَالىَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا المائدة: 48.

2. كُلُّ الكتب عهد الله بحفظها إِلىَ الناس فخانوا الأمانة، وبدلوا وغيروا، وأخفوا منها ما أرادوا، خدمةً لأغراضهم وأهوائهم، فأحلوا ما حرم الله، قال تَعَالىَ عن اليهود: ﴿مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا النساء: 46، وأضافوا إِلىَ التوراة قصصا عن الأنبياء في غاية من السوء والفحش، ونسبوا إِلىَ الله ما هو شرك صريح: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ التوبة: 30، وكتموا من التوراة والإنجيل ما شاءوا، ومن ذَلِكَ التبشير بالرسول ﷺ، قال تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ الصف: 6. وَأَمَّا القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه، قَالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر: 9.

3. لم تكن تلك الكتب معجزة بلفظها، ما عدا القرآن، ليبقى المعجزة الخالدة للرَّسُول محَمَّد ﷺ، قَالَ تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..فصلت: 52، 53.

4. تختلف الكتب في لغاتها حسب الأقوام الذين نزلت فيهم، قال تَعَالىَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.. إبراهيم: 4.

خامساً: القرآن الكريم

أ. تعريف القرآن: هو الكلام المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد ﷺ، المعجز، المتعبد بتلاوته، المدون في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر. يرشد الأمم إِلىَ صلاحها وفلاحها في الدُّنْيَا وَالآخِرَة.

ب. خلق القرآن: كُلُّ الكتب المنزلة مخلوقة، ولا يَصِحُّ القول بِأَنَّهَا قديمة. وَمِمَّا احتَجَّ به القائلون بِأَنَّ القرآن قديم قولهم: القرآن كلام الله، بدليل قَوله تَعَالىَ: ﴿وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ التوبة: 6، والكلام صفة من صفات الله، فهو إذن أزليٌّ قديم. وجوابهم من عِدَّة أوجه:

1. يجب التفريق بين صفة الكلام لله، وبين الكلام المنزل عَلَى رسله؛ ولم يقم دَلِيل عَلَى تسمية صفة الكلام لله قرآنا، وَإِنَّ نسبه الكلام إِلىَ الله ليست سوى كنسبة المخلوقات إليه، كما نقول: بيت الله، أو ناقة الله...

2. أَنَّ الله تَعَالىَ هو الخالق، وَأَنَّ جميع ما عداه مخلوق، قَالَ تَعَالىَ: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.. الأنعام: 102.

3. أَنَّهُ تَعَالىَ منفرد بالقدم، فلو كان القرآن قديما للزم بطلان انفراده تَعَالىَ بالقدم.

4. القرآن مكون من حروف وكلمات، ومدون في الصحف والأوراق والألواح، ومحفوظ في الصدور، وما كان عَلَى هَذِهِ الصفات فهو مخلوق ولا شَكَّ.

-بتصرف-

المصدر: كتاب دروس في أصول الدين، مصطفى شريفي.

 

شاركنا بتعليقك