إسهامات

لو كانت الدعوة إلى ترك المعاصي والتوبة منها مجرد اقتراح لكان مستحسنا جدا في العقول، لأن الخالق العظيم يستحق كل الطاعة وتقبح في حقه كل معصية، لما أولى هذا المخلوق الضعيف من نِعم ولما أحاط به من رعاية، فكيف مع ذلك يقدُم على معصيته ويصر عليها!؟

لكن الأمر في هذه الدعوة أبعد من ذلك، فمن لم يمسك عن المعصية ويسارع إلى التوبة منها، كانت ثمة آيات متضافرة تدعوه إلى ذلك من منطلق واقعها الاضطراري، وإلا فلا مطمع في النجاة.. وتلك حقيقة لا يجوز كتمانها، ولا تأخير البيان فيها لأنها ملء آیات الذكر الحكيم -وإن غفل عنها الغافلون وتجاهلها المتجاهلون بشتى صنوف الأسباب والأعذار والظنون- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ البقرة: 159.

وعلاج الإنسان لا ينبغي أن يستمد من غير خالقه، فهو أعلم به ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الملك: 14، كما نبه هذا المخلوق إلى توحيده والإيمان بعظمته؛ انطلاقا مما حوله من بديع الخلق.. فهو من صرف الوعيد في القرآن تصريفا، وجعل من علامات أوليائه الخوف الشديد من المصير في غير يأس والطمع في دخول الجنة في غير غرور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ♦ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ♦ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ♦ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ  أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ المؤمنون: 57-61.

وعليه فإن زرع الخوف من المصير في قلوب عباد الله تعالى مطلب شرعي ومقصد إيماني، وقبل ذلك أو بعده علاج لداء النفوس قلما نشعر بقيمته الحقيقية، أو -لنقُل- قلما نتفطن لما يفسد هذا العلاج، وتعالجه بالجسم والحزم، فكانت دعوتنا في ذلك يشوبها الكثير من التناقض وعدم الانسجام، فلم تعد الدعوة إلى التقوى التي تتكرر على المنابر مفهومة، ولعلها أضحت دعوة مملة؛ إذ لم تعد قادرة على الوقوف دون تيار المعصية الجارف!!

لا محيص من الوضوح في الأمر، والوضوح ينطلق أولا من الاقتناع العقلي، الذي تسد به في الذهن كل منافذ النجاة، ما لم تكن هناك توبة خالصة، وهذه ثمرة تدبر تلكم الآيات، ثم لا بأس بعد ذلك من تأجيج للعاطفة، لكن في غير اتكاء على مصادر أخرى غير القرآن، أو غير معروضة عليه؛ إذ لا يُؤمَن منها دخول ما يعكر صفو الآيات وانسجامها.

إن الإنسان -وقد أخذ بهذا العلاج الرباني- لن يفكر عند كل معصية يقع فيها إلا في التوبة وفقط، ويكفي هذا الشعور الدائم أن يلين نفسه ويهيئها إلى الأوبة إلى الله تعالى، ويجعلها تتضامن مع كل نداء للخير، لانسجامه مع تطلعاتها الملحة، ولنا أن نتصور كيف يكون حال الأمة وقد كثر فيها من يحمل هذا الشعور، أليس في ذلك دفع لأفرادها إلى نقطة الالتقاء، حيث لا تفكير إلا في التوبة، أو بعبارة أولى -لا تفكير إلا في النجاة من المعصية-، وها هنا يتجلى البعد الحضاري لهذه الحقيقة القرآنية.

ومما هو معلوم لدى العقلاء أنه لا يمكن لأي قانون تحقيق العدالة دون أن تكون أوامره وقوانینه ملزمة، فالله تعالى الذي وعد بالعدالة والأمن والحياة الطيبة في اتباع دينه، جعل أوامره تستمد إلزاميتها من تصور الحساب الأخروي العادل، فماذا عسى أن يحقق هذا الوحي الرباني في واقع الناس مع وجود مثل هذه التصورات والأماني التي تحيل الأوامر الربانية إلى مجرد اقتراحات؟!.

فكم ضيعت هذه الأمة من انتصارات، وكم أهدرت من أوقات، وكم استهزأت بواجبات وانتهكت من محرمات وكم... وكم...، فضیعت بذلك ما وعد الله به عباده من الحياة الطيبة والاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، فكانت عالة على غيرها بدل أن تقودهم هي وتسوسهم بشرعة الله تعالى، وليس خلف ذلك في جميع الأحوال إلا ارتكاب المخالفات والإصرار عليها على جميع المستويات.

ومثل من يغفل عن هذا الأمر، ويبحث عن علاج غيرها مثل الطبيب الذي شغلته أعراض المرض عن الفيروس الذي وراءها ...، وصدق الله العظيم حينما قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ الأعراف: 27، وفي أخرى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ♦ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ يس: 60-61.

المصدر: كتاب العلاج الرباني للمعصية، صالح بن بكير سيوسيو وآخرون، ص 140-146.

شاركنا بتعليقك