إسهامات

أمَّا الحساب فهو تمييز العمل       خيرًا وشرًا لــيراه من فعل

خــصَّ به مقــصِّر ليـعـلـما       أو فاســق ليكثر التندُّمــــا

وما عــداهــــما إلى الجنان       بلا حساب أو إلى النيران

و"الحساب" هو تبيين الله للعباد أعمالهم إن خيرا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ؛ فحساب الله لخلقه يوم القيامة إِنَّمَا هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيريَّة وأعماله الشريَّة، وليس الحساب يومئذ كحساب بعضنا لبعض لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل، ويبطله النقل؛ هذا ما عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى. والذي أقوله: إنَّه لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا، ويكون المحاسب يومئذ هو خلقًا من خلقه تعالى جعله لذلك، فلا يلزم على هذا المعنى ما ذكر من التشبيه.

والقول به عندي أولى، لأنَّ ظواهر الآيات والروايات دالَّة عليه، فلو قيل لغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها مع إمكان الأخذ بالظاهر؛ فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىا كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ النحل: 111. ففي هذه المجادلة النصُّ الصريح على ما قدَّمت ذكره من بيان الحساب.

ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّىآ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فصلت: 20، 21، ففي هذه الآية ما يدلُّ على أن هنالك مخاطبة وتكلُّما وشهودا.

وكذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىآ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يس: 65. وكذا قوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ق: 21.

والروايات الدالُّ ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصحَّحَه: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتَّى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه".

وقد خصَّ بالحساب صنفان من الناس:

أحدهما: المقصر التائب من ذنبه.

وثانيهما: الفاسق العاصي.

والحكمة في حساب المؤمن المقصِّر هي أن يعلم نعمة الله بغفران ذنوبه وستر عيوبه؛ والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته وتضعيف تنكيله بالتأسُّف على إضاعة عمله، فإنَّه متى رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل صدر منه ازداد بذلك حسرة وندامة.

ومن الحكمة في هذا أيضًا إظهار إنصاف الله تعالى لخلقه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْـئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يونس: 44. وما عدا هذين الصنفين فهم إمَّا في الجنَّة بلا حساب وهم الموفُّون، وإمَّا في النار بلا حساب وهم المشركون.

-بتصرف-

المصدر: كتاب إيضاح التوحيد بنور التوحيد، سعيد الغيثي.

شاركنا بتعليقك