إسهامات

آخِر الوَرقات التي يُخرِجُها أصحابُ الأَماني والشُّبُهات؛ بعدَ أن لا تَنفَع المُنجِيات والمُكفِّرات؛ وبعدَ أن لا تُجدي الوَساطات والشَّفاعات؛ أن يقُولوا لكَ إنَّ المُوحِّد العاصِي مُمكِن وُلوجُه إلى جهنَّم؛ ولَكن على أن يمكُثَ مُدَّة مُعيَّنَة على قَدر ذُنوبِه ثُمَّ يخرُجُ مِنها ويُطهَّر ويُدخَل الجِنان بعدَ ذَلِك، ومِنهُم مَن اشتطَّ أكثَر وادَّعى فَناء النَّار تَماما وخُروج أصحابِها جَميعا إلى رحمَة الله بعدَ أن تُطهِّرَهُم نيرانُ جهنَّم!

يتمسَّكُ القائِلُون بالخُروج في مُعتَقدِهم بأهدابِ بعض الرِّوايات وظواهِر بعض الآيات. مِنها ما رويَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيَخْرُجُونَ قَدْ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ" البخاري. وهؤلاء الذينَ يخرُجون مِن جهنَّم (على حَسب زعمِهم) يُسمَّون بـ (الجهنَّميُّون) يغبطُهم أهل الجنَّة أن طُهِّرُوا مِن ذُنوبِهم ونَجوا مِن عذاب ِ الله كَما تنصُّ على ذَلِك عدَّة مَرويَّات والله المُستَعان!

وهذا لا يَخفَى أنَّه أثَرٌ مِن آثارِ الفِكر الإسرائيلي تسلَّل إلى العَقيدَة الإسلاميَّة نتيجَة هُجران الوَحي واتِّخاذِ بَدائِل لَه؛ ولا نَستَغرب حينَ يتحدَّثُ القُرآن كثيرا عَن "بني إسرائيل" ويُطنب في تَشريح مُعتَقداتِهم؛ لأنَّ الله عَليم خَبير بِما كانَ وما سيكُون! وهُو مُطَّلِع على أنَّ هُنالِك طَوائِف مِن المُسلمين تَظهر على السَّاحَة تتبنَّى فِكرَهُم حذو القُذَّة بالقُذَّة نسأل الله العافيَة!

﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ البقرة: 80، 81. ﴿ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ آل عمران: 23، 24.

تمسَّك أربابُ "فِكر الخُروج مِن النَّار" أيضا بِظواهِر بعض الآيات القُرآنيَّة أشهرُها آيَات سُورة هُود التي يقُول الله فيها: ﴿فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبـُّكَ إِنَّ رَبـَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبـُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هود: 106- 108.

فالآيات تُشير (حَسبهُم) إلى إمكانيَّة أن يشاءَ الله أن يُخرِج صِنفا مُعيَّنا مِن النَّاس مِن النَّار؛ فلا دَليل إذَن على التَّأبيد المُطلَق لكُلِّ مَن دَخل جهنَّم! بل المشيئَة هُنا تُعطي بَصيصَ أمَل في النَّجاة فلَم تَحجير الواسِع؟!

يُجابُ عليهم بكُلِّ بساطَة أنَّ الله استَعمَل نفس التَّعبير بِشأن أصحابِ الجنَّة كَما هُو ظاهِر في الآيَة الكَريمَة؛ فأيُّ شَيء أثبتُّموه بالنِّسبَة لأصحابِ النَّار فأثبتُوه لأصحابِ الجنَّة! وإن فرَّقتُم فتفريقُكم تحكُّم لا دَليلَ عليه؛ فبطُل استِدلالُكم بالآيَة؛ فلَم تَبقَ إذَن إلاَّ الروايات التي ستُدحَض دَحضا بجُملَة مِن الآيات المُحكَمة التي لا يَختَلف في فَهمها اثنان.

نَعم إنَّ الحَسنات والقُربات والنَّوافِل تَنفَع في إعلاءِ درجَة الإنسان ومقامه عِند ربِّه لا نُنكِر! ولَكن بَعد التَّوبة النَّصُوح، والإقلاع عَن الخَطايا والسِّيئات قَبل المَمات! فالحَسنات (تقريبا للصُّورَة) كعُملَة صَعبَة لإحدَى البُلدان؛ لا يُمكِن الاستِفادَة مِنها في التَّمتُّع بخيراتِ ذَلك البَلد إلا بعد الحُصول على التَّأشيرة (الفيزا)؛ وتأشيرَة دُخول الجنَّة هيَ التَّقوى والتَّقوى فقَط! مَع التَّنبيه (ولابُدّ) إلى أنَّ كثيرا مِن أحاديثِ فضائل الأَعمال لا يُمكِن نسبتُها إلى الرَّسُول الكَريم الذي لا يَنطِق عَن الهَوى لعدَّة قوادِح، وبعدَّة اعتِبارات!

والآنَ نأتي إلى استِعراض أدلَّة الخُلود الواضِحَة، والآيات طَبعا كَثيرَة نَقتَصِر على بَعضِها:

قال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنـَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِيسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ النحل: 29.

وقالَ عزَّ مِن قائِل: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الزخرف: 74، 75.

وفي يُونس: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ يونس: 52.

وحتَّى لا يُماري أحدٌ بأنَّ هذه الآيات لا تشمُل عُصاة المُوحِّدين لِغبشٍ عِندَه في مفاهيم؛ الظُّلم والتَّكذيب والإجرام والتَّكبُّر وعَدم ضَبطِها ضَبطا قُرآنيا دَقيقا، وادِّعائِه أنَّها تتكلَّم فقَط مَع الخارِجين عَن الملَّة؛ نقُول أنَّ هُنالِك آيات أُخرَى واضِحَة الدَّلالَة في شُمولِها لكُلِّ العُصاة بِلا استِثناء! مِنها مَثلا قَوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنـَّهُ مَنْ يُّحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَالِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ التوبة: 63. فكُلُّ مَن شاقَقَ سبيلَ الله ورَسُولِه والمُؤمنين؛ ووَقفَ في الحدِّ الآخَر في أيَّة مسألَة مِن مَسائِل الدِّين مُعرِضا صادِفا؛ فمآلُه جهنَّم والعياذُ بالله خالِدا مُخلَّدا لا يُقبَل مِنه صَرف ولا عَدل!

نَظير هذه الآية قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا الجن: 23.

وحتَّى يَزدادَ الأَمر جَلاء؛ نقُول أنَّ هُنالِك بعضا مِن الآيات تُهدِّدُ بالخُلود لمَن اقتَرَف معاصٍ بِعينِها، بل وإنَّها أتَت في سياقِ مُخاطَبَة أُناس مُوحِّدين لا مُشرِكين (بمَفهُوم الشِّرك السَّائِد طَبعا!) مِنها مَثلا قولُه تعالى في سياقِ تَحريم الرِّبا: ﴿الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبـِّهِ فَانتَهَىا فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلىَ اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُؤْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ البقرة: 275. أين صلاةُ المُرابي وزكاتُه وحجُّه وحَسناتُه لَم تَشفَع لَهُ عِند ربِّه؟! فكيفَ يشفع لَه بعد ذَلك مخلوقٌ مِن مَخلُوقات الله ويُخرجُه من النَّار كما تُصوِّره الرِّوايات؟!!

آيَة أُخرى في سياقِ قَتل المُؤمن عَمدا؛ يقُول تعالى فيها: ﴿وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا النساء: 93. لماذا لا نَجدُ استثناء؛ إلاَّ أن تكُون حسناتُه أكثَر مِن سيِّئاتِه؟! إلاَّ أن يشفَع فيه الرَّسُول ﷺ؟! إلاَّ أن يستَوفي عذابَه مِن النَّار ثُمَّ يخرُج؟! نتساءَل مِن أين تسلَّل هذا الفِكر الدَّخيل إلى المِخيال الإسلامي إلاَّ أن يكُون مِن دسائِس اليهُود والنَّصارى؟!

أَأدرَكنا الآن بما لا مَزيدَ عليه أنَّ الخُلود في النَّارِ يكُون بمُجرَّد الإصرار على مَعصيَة واحِدَة مِن معاصي الله عزَّ وجل دُون التَّوبَة النَّصُوح مِنها؟! لماذا نَلوي أقلامَنا بالكِتاب ليَحسبَه الضُّعفاءُ مِن الكِتاب وما هُو مِن الكِتاب؟! ونقُول هُو من عِند الله وما هُو مِن عِند الله، ونقُول على الله الكَذب ونَحن نَعلم؟!

هذا المَهيَع الواضح نَجدُه بيِّنا في السُّنَّة الصَّحيحَة (المُطابِقة للقُرآن) على صاحِبها أفضَل صَلاة وأَزكى سَلام في عدَّة أحاديث... مِنها ما رُويَ عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر" وعن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة نمَّام" ـ وفي رواية قتَّات. وعنه ﷺ: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".

ونُصوص السَّنَة كثيرَة أيضا في تَقريرِ هذا المَعنَى العَظيم، ومَع ذَلك لَم تعجَز آليات التَّأويل وليّ أعناق النُّصوص في أن تُخرِج مِن جُعبتِها جَديدا غريبا لتقُول أنَّ كُلَّ تِلك الآيات إنَّما هي في "المُستَحلّ" الذي يَفعَل ما يَفعَل وهُو يَعتَقِد حلِّيتَه مُصادِما لنُصوص القرآن والسُّنَّة الصَّحيحَة المُوافِقَة للقُرآن!! ولَعمري هَل يُوجَد هذا الافتِراض أصلا في الواقِع؟!

غريبٌ هذا الأَمن المُطلَق مِن مَكر الله، والبُرودَة العَجيبَة في تلقِّي آياتِ الوَعيد؛ لأنَّ المُسلِمين يعتَقدُون أنَّ تِلك الآيات لا تَعنيهِم في قبيل أو دَبير! فلمَ الخَوف ولمَ التَّوبَة ولَم "تَصفيَة التَّبعات" وعشَرات المُنجيات في الانتِظار؟!

لا شكَّ أنَّ كُلَّ مُنصِف عاقِل سيُدرِكُ بوُضوح أنَّ أزمَتنا في الأساس "أزمَة عقديَّة تصوُّريَّة" سببُها هُجران القُرآن واتِّخاذ بدائِل لَه تُساويه في المَنزِلة (وأبرزُها كُتب الرِّوايات)، واتِّباع الفِكر الإسرائيلي الذي أطنَب القُرآن في تَحذيرِنا مِنه؛ وبدُون تصحيح جِذري لمَحامِلنا العَقديَّة على ضَوء كِتاب الله؛ فإنَّ أزمَتنا ستَزداد سوءا، وسيَزيدُنا الله ذِلَّة ومَسكَنة كما فَعل بأقوام قبلَنا؛ فلسَنا بِدعا مِن البَشر، ولسَنا أبناءُ الله وأحبَّاؤه؛ بل نَحن بشرٌ ممَّن خَلق! ينصُرنا وِفق قانُون ويخذُلنا وِفقَ قانُون كذَلك! فاللَّهم أعِدنا إلى مَنهَجِك وكِتابِك عَودا جَميلا، ووفقنا لتسبيحك وتمجيدك بكرة وأصيلا!

-بتصرف-

المصدر: موقع أهل القرآن

شاركنا بتعليقك