إسهامات

إن الله تعالى لم يهمل عباده ولم يتركهم سدى، وإنما أمرهم بعبادته وجعلها هي الغاية لخلقهم، كما نص عليه في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ الذاريات: 56، وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله، المبلغ عن الله تعالى، فقد قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىا رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ المائدة: 92 ولا يتحقق شيء من ذلك إلا بالعلم، فإن العبادات لم توكل إلى استحسان الناس، فجميع عقولهم قاصرة عن تحديدها، وإنما تدرك بالعلم، وكذلك ما أمر الله به وما نهى عنه، فلا يتسنى لأحد أن يعبد الله سبحانه كما أمره تعالى، إلا إن كان بصيرا بالعبادة خبيرا بكيفية أدائها، ولا غرو في هذا فإن العلم هو قوام الدين ونور الحياة، وهو الهادي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، ولهذا بعث الله تعالى رسله وأنزل كتبه لنشر العلم بين الناس وتبصيرهم بالحق حتى يكونوا على بيّنة مما يأتون وما يذرون، وقد أجاد العلامة أبو مسلم في قوله:

ورافـق دليـل العلـم يهـدك إنــه      طريـق يحـار العقـل فيـه وعيـرُ

وفعلك حـد المستطـاع مـن التقـى      علـى غيـر علـم ضيعـة وغـرورُ

فمـا زكـت الطاعـات إلا لمبـصـر      على نور علم فـي الطريـق يسيـرُ

أتدخـر الأعمـال جهـلا بوجهـهـا      وأنـت إلـى علـم هـنـاك فقـيـرُ

فيـا طالـب الله ائتـه مـن طريقـه      وإلا فبالحـرمـان أنــت جـديــرُ

فلست إذا لم تهتـد الـدرب واصـلا      قبيلـك فـي جهـل السلـوك دبيـرُ

وما العلـم إلا مـا أردت بـه التقـى      وإلا فخِطْـأٌ مــا حمـلـت كبـيـرُ

إذا كان العلم بهذا القدر والدين موقوف عليه والعبادات كلها مرهونة به، وهو إمام للعبادات يبصر العابدين بكيفية أدائها، وصورة إتقانها، فإنه لا بد من الإخلاص في طلبه لوجه الله تعالى، فلا يطلب لوجه من وجوه الدنيا، كما لا يصلى ولا يصام ولا يزكى ولا يحج لأجل غرض دنيوي، فهو وسائر العبادات مندرج فيما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبـِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبـِّهِ أَحَدًا الكهف: 110، وقوله سبحانه: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ البينة: 5، فمن طلبه لينال به مكانة بين الناس أو ليتوصل به إلى غرض من أغراض الدنيا كان والعياذ بالله من الهالكين، وقد نص على هذا حديث رسول الله ﷺ فعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات"، وعن جابر بن زید رضي الله عنه قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من تعلم العلم للعظمة والرفعة أوقفه الله تعالى موقف الذل والصغار يوم القيامة وجعله الله عليه حسرة وندامة حتى يكون العلم لأهله زينا"، وروي عن أنس رضي الله عنه: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار"، وعن أبي هريرة: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم"، ولعلماء الرعيل الأول في هذا بيان يأخذ بمجامع الألباب.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نداء الحق، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص 74، 75.

شاركنا بتعليقك