إسهامات

بلور الإباضية موقفهم من القضاء والقدر وفق منظومة متكاملة من القواعد الكلية المستوحاة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها، وهي:

القاعدة الأولى: الله تعالى عالم بأفعال الإنسان ومصيره قبل أن يخلقه

فلو لم يكن الله تعالى عالماً بمصير الإنسان لصار جاهلاً وهذا الوصف لا يجوز في حقه عز وجل.

يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا طه: 110.

ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ الأنعام: 28.

يقول ابن بركة: "فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا، وأخبر أنهم لو ردوا كيف كان حالهم، فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كيف كان يكون".

القاعدة الثانية: كل ما يحدث في الكون إنما هو بأمر الله الذي ينقسم إلى نوعين: القدر والمقدور

يقول تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا الأحزاب: 38.

فالمقدور يعبر عن الأمور التي يستطيع الإنسان التدخل فيها وتغييرها واختيار حصولها من عدمه، مثل أن يختار فعل الخير أو الشر، واختيار نوع الملبس والمسكن والمطعوم والصديق والزوج إلى غير ذلك، وهو محاسب على اختياره هذا.

أما القَدَر فهو يعبر عن علم الله تعالى الأزلي، وهذا العلم يشمل "المقدور" بالإضافة إلى الغيبيات التي لا يستطيع الإنسان إدراكها ومعرفتها كالعلم بما يحدث في المستقبل، فلا يمكن للإنسان معرفة القدر لأن الإنسان لا يعلم من علم الله تعالى إلا القليل الضئيل ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً الإسراء: 85، فالخوض في القدر هو خوض في علم الله الأزلي الذي هو صفة من صفاته عز وجل التي لا يجوز للبشر الخوض في كيفيتها، فلهذا ورد النهي عن النبي صلى الله عليه عن الخوض في القدر.

القاعدة الثالثة: الإنسان محاسب على اختياره (ما يكسبه)

يقول تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ البقرة: 286.

ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ يونس: 52.

ويقول تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ الأنعام: 120.

فالإنسان وفق هذه القاعدة يحاسب على الأمور المخير فيها، وهي التي اكتسبها الإنسان باختياره، أما الأمور التي لا قدرة له فيها فهو غير محاسب عليها.

الخلاصة أن موقف المذهب الإباضي هو وسط بين إفراط الذين قالوا إن الإنسان مجبور ولا قدرة له على الاختيار، وبين تفريط الذين قالوا إن الإنسان هو وحده مسير هذا الكون ومصرف شؤونه.

وهذا الفهم القائم على منظومة متكاملة من القواعد الكلية يجعل المنتمين لهذا المذهب يستشعرون أهمية العمل والسعي لتحقيق فريضة العبودية لله وفريضة خلافة الكون.

المصدر: كتاب الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ. لزكريا بن خليفة المحرمي. ص56-59.

شاركنا بتعليقك