إسهامات

حذّر العلماء من الاتصاف بصفة الكذب، إذا كان الكذب من شيمة الفجار وليس من شيمة الأبرار؛ فإنه ليس من شأن المؤمن أن يكذب على أي حال جادا كان أو هازلا. ومما يؤسف له كثيرا أن يوجد من بين المسلمين من يتجرأ على الكذب ليثير انزعاج الآخرين تأسيا بالقوم الكافرين، فيجمع في ذلك ثلاث كبائر على نفسه، الكبيرة الأولى: الكذب والثانية: الانجرار وراء عادات الآخرين والثالثة: إزعاج الآخرين.

إذا اعتاد الإنسان الكذب اعتاد جميع المنكرات، وإذا هوّن على نفسه أن يكذب في وقت من الأوقات هان عليه الكذب في سائر الأوقات، وكان مثله كمثل العقد الذي انقطع سلكه فانحلّ نظامه، وتتابعت خرزاته، وتساقطت حباته، هكذا تسقط الفضائل فضيلة بعد فضيلة إذا تعود الإنسان الكذب في أي حال من الأحوال.

إن حكمة العليّ الأعلى اقتضت أن يجعل السمة البشرية التي تتميز بها حياة الناس عن حياة غيرهم من الكائنات الأرضية تداخل المصالح، واشتراك المنافع، والتعاون والاجتماع، والتفاهم والترابط؛ ولأجل ذلك ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بما آتاه من موهبة البيان التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على الناس؛ حيث قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ خَلَقَ الاِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الرحمن: 1-4. فبدون هذه الموهبة لا يمكن التفاهم بين الناس ولا التآلف ولا الترابط ولا التعاون في المصالح المشتركة والمنافع التي تعود على الجميع.

وإذا كانت هذه نعمة عظيمة من الله سبحانه. وكل نعمة من نعمه تعالى تستوجب شكره. فإن من واجب العبد الذي منّ الله سبحانه وتعالى عليه باللسان والبيان أن لا يستخدم لسانه إلا فيما يعود على نفسه بالمصلحة الدينية والدنيوية التي لا تكون على حساب الدين، وذلك الذي يعنيه الحق سبحانه وتعالى بالقول السديد حيث قال: ﴿يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمُ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُّطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا الأحزاب: 70، 71. ومن القول السديد أن يلتزم العبد الصدق في قوله، والحق في عمله، وأن يتجنب الكذب على أي حال، وحسبكم مزية كبرى للصدق والصادقين أن كلام الله سبحانه وتعالى صفته اللازمة الصدق، فقد قال عز من قائل: ﴿وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً النساء: 22 وقال: ﴿وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًاالنساء: 87. والنبي ﷺ يصف كلام الله بقوله: "وإن أصدق الحديث كتاب الله"، وقد أمرنا الله سبحانـه وتعالى أن نكون مع الصادقين حيث قال: ﴿يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة: 119.

إن الصدق هي الصفة التي يتحلى بها المؤمنون بالله واليوم الآخر الذين يخشون الله سبحانه وتعالى ويرجونه، وهي عُشّ الفضائل ومنبع الخيرات؛ فإن الحياة الإنسانية إن لم تكن قائمة على الصدق كانت حياة يشوبها القلق والانزعاج؛ إذ لا يطمئن أحد إلى كلام أحد، ولا يثق أحد في عمل أحد ما دام الكذب متفشيا ما بينهم، مستطيرا في أقوالهم، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الكذب عش الرذائل ومصدر الشرّ كلّه، ولذلك توعد الله سبحانه وتعالى الكذابين بقوله عز من قائل: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الذاريات: 10. أي الكذّابون.

الكذّاب يتعود الأوهام

فالكذب ينشأ عنه عدم الوفاء بالوعد، وعدم تحري الفضيلة، وعدم اتباع الخير، وعدم المبالاة بحقوق الآخرين كما هو معروف، وإذا اعتاد أحد الكذب اعتاد جميع المنكرات، وإذا هوّن على نفسه أن يكذب في وقت من الأوقات هان عليه الكذب في سائر الأوقات، وكان مثله كمثل العقد الذي انقطع سلكه فانحلّ نظامه، وتتابعت خرزاته، وتساقطت حباته، هكذا تسقط الفضائل فضيلة بعد فضيلة إذا تعود الإنسان الكذب في أي حال من الأحوال، وهكذا يتجرأ على الكذب على أي حال إذا اعتاد هذا الكذب في سائر أحواله، وذلك الذي يدل عليه الحديث الصحيح عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قال: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يدعو إلى البرِّ، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا".

وقد جاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: "يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب"؛ أي لا يمكن أن تكون الخيانة صفة من صفات المؤمن، ولا أن يكون الكذب صفة من صفات المؤمن.

إن الكذب صفة يكتسبها الإنسان باعتياده، فإذا اعتاد الكذب صار جبلة له، والكذاب يتعود الأوهام حتى تكون في نفسه حقائق، ولا يطمئن أحد إلى قوله ولو صدق في أي وقت من الأوقات، والنبي ﷺ بين صفات المنافقين في قوله صلوات الله وسلامه عليه: "ثلاث من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق حتى يتوب عنها وينزع"، وذكر من هذه الثلاث: من إذا حدث كذب، فصفة المنافق الكذب في حديثه، وهذا يعني أن المؤمن لا يمكن أن يكذب في حديثه؛ لأنه يتحرى الصدق على أي حال خشية من الوقوع في الهلكة ومن الانجرار إلى سائر صفات النفاق، والله سبحانه وتعالى جعل رسالات جميع المرسلين الذين بعثهم مبنية على الصدق، ووعد الصادقين على صدقهم خيرا عظيما ليجزي الصادقين بصدقهم، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبـِّهِمْ ذَالِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ الزمر: 33، 34. هكذا يعد الله سبحانه وتعالى الصادقين.

الكذب .. ليس من شيمة الأبرار

إذا كان الكذب من شيمة الفجار وليس من شيمة الأبرار؛ فإنه ليس من شأن المؤمن أن يكذب على أي حال جادا كان أو هازلا؛ فإن الكذب والعياذ بالله يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار كما أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد شدد النكير رسول الله ﷺ على الذين يكذبون ليثيروا ضحك الناس حيث قال: "ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به الناس فيكذب، ويل له، ويل له"، فالمؤمن يتجنب الكذب على أي حال، ولا يتبع الكذب لأي غرض من الأغراض.

-بتصرف-

المصدر: موقع عمان

شاركنا بتعليقك