إسهامات

.. المذهب الإباضي ليس مذهبا سريا كما يحلو للبعض أن يسلكه في إعداد المذاهب السرية، وما كان طريقة من الطرق التي عرفتها الأقطار الاسلامية في عهود التأخر، إنما كان مذهبا من أقدم المذاهب الاسلامية، مبنية أصوله ومبادؤه على المبادئ والأصول الإسلامية، ومستمدة من المعين الذي تستمد منه سائر المذاهب الإسلامية: الكتاب والسنة، والإجماع، والاجتهاد.

يقول الشيخ السالمي في الموضوع:

والأصل للفقه كتاب الباري        إجماع، بعد سنة المختار

ومن بين هذه المبادئ:

1. الإسلام عقيدة وعمل:

عزة الإسلام، ونوره، وكرامة الله للمسلم لا تحصل له بمجرد أن يؤمن بالله ورسوله، ويقر برسالته، ثم يقف عند هذا الحد، وتقصر نفسه عن اتباع أوامره ونواهيه، والمسلم بصدق هو الذي يجمع في سيرته وسلوكه بين الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته، وبين اتباع نهج الإسلام الذي آمن به، وأقر بأحقيته.

لا يكتفي المرء بالنطق بكلمة الشهادة، فلا يغنيه ذلك عند الله شيئا، نعم هو مسلم داخل تحت المخطط العام للأمة الإسلامية ولكنه ناقص إسلامه، معاقب على تفريطه. والفروض الإسلامية لم تنزل على النبي ﷺ للإيمان فحسب، وما كان دين الإسلام إلا دین عقيدة وعمل حدد للمسلم طريقه، وفصل له ما أحل الله له وما حرم عليه، ورسم له الخطة التي يجب عليه أن يسير عليها في الحياة، فلا مطمع في المغفرة للمقصرين المصرِّين، الذين قعد بهم العمل بفروض الله، ولا شفاعة للعصاة الملازمين للمعاصي ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ الأعراف: 156.

هذا ملخص اعتقادهم في هذه القضية، أما نظرة المذهب الإباضي لمن أخل بواجبه من سائر المسلمين فإنه يعتبره مسلما، ولا يخرجه من المخطط العام للإسلام، كما يفعل بعض الغلاة من الخوارج، فالإباضية لا يستحلون دمه، ولا يعتبرونه مشركا، إنما هو من المسلمين العصاة الذين أخلوا بواجبهم، يجب عليهم نحوه نهيه عن غيِّه، وإرشاده، وإن أبى هجروه، أعني يعتبرونه متمردا عن المجتمع الطاهر، دون أن تسقط حقوقه كمسلم، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين.

ولست بهذا أتهم المذاهب الإسلامية الأخرى بتشطير الإسلام، وطرح جانب هام منه من الحساب، فهي بريئة من هذا، إنما المأخذ على بعضها أنها فتحت باب المغفرة بدون قيد التوبة، والتوبة ما هي إلا ندامة عما مضى، وكف عنه، وتجديد العمل الصالح، ثم جعلهم الشفاعة في كتبهم ومواعظهم لكافة المسلمين بدون شرط. وفي هذا ما يُجرئ العامة، ويرخي لها العنان، وكان ينبغي لهم أن يأخذوا بالأحزم.

2. الولاية والبراءة:

يقول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ التوبة: 71، ويقول في سورة النساء يعرض بالذين تخلوا عن واجب الهجرة، وعجزوا عن متابعة الركب الإسلامي بالهجرة إلى المدينة ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ النساء: 89. وعن الرسول عليه السلام "من أحب لله وأبغض لله وأعطى الله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان".

بهذه الرابطة الروحية قوى الله الأواصر بين المسلمين وجعلهم إخوة يتحابون ويتعاطفون لله، ويتآزرون، ومن أخل بهذه الرابطة وهذا الوثاق الذي ربط الله به المسلمين بعضهم إلى بعض، فقد أخل بواجبه المقدس نحو الإسلام والمسلمين، وبهذه الرابطة الروحية كوَّن الله من قبائل العرب المتنافرة، ومن الأجناس المتباعدة، أقوى رابطة، وأمتن جماعة عرفها التاريخ ذاب أمامها ما عداها من الصلات والروابط.

وولاية المسلمين وحبهم وإعانتهم، والبراءة من المشركين كافة، والمنافقين ونبذهم وقطع الصلة بهم، فريضة واجبة لدى جميع المذاهب الإسلامية، وهو ما يسمى بولاية الجملة، وبراءة الجملة.

ولكن الإباضية رأوا أن يخطوا خطوة أخرى نحو هذه الرابطة، أو الأخوة الروحية التي جعلها الله بين المسلمين، فأوجبوا اعتمادا على الآيات والأحاديث الواردة في الموضوع ولاية الأشخاص، وبراءة الأشخاص، فإذا شاهد مسلم من أخيه المسلم وفاء بدين الله، وأداء للواجبات وتفانيا في الإسلام يجب عليه أن يخصه بمزيد من الحب ويفتح له صدره، ویقوِّي به صلته، وفي الحديث الشريف "إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، بمكانهم من الله، قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون يوم يخاف الناس".

كما أنه إذا شاهد من مسلم آخر تهاونا بدين الله، وتلكؤا في أداء الواجبات، وضعفا للروح الإسلامية فيه، يجب عليه نهيه، وكرهه، وهجرانه، وإذا أصر على المعصية، واستعذب الخطيئة، انفصم من الرباط المقدس الذي يربطه بالمؤمنين، و كان ابنا عاقا في البيت الإسلامي، ونشازا بين المسلمين.

وهذه المراقبة الدقيقة، وهذا الإخلاص المتناهي للإسلام ومبادئ الإسلام، تجعل على المجتمع حراسة شديدة من الدخلاء والمفسدين، كما تحوط بعين ساهرة ذوي النفوس الضعيفة والإرادة الرخوة، وتراقبهم، فإما أن ينسجموا، وينصهروا في المجتمع الإسلامي الطاهر، فذاك هو المطلوب، وإما أن يضعفوا فينهلوا من الثقوب، عند ذلك ينبغي تركهم، والانزواء عنهم، حتى يشعروا بالوحشة، وتلوکهم الفردية، فيؤوبون إلى فاطر السماوات والأرض ويجددون الصلة به وبالمسلمين.

ولهذا المبدأ أثر عميق في المجتمع المزابي، وإليه ترجع السلطة الروحية التي اكتسبها مجلس العزابة، وسير بها المجتمع فترة من الزمن طويلة.

-بتصرف-

المصدر: كتاب مزاب بلد كفاح، إبراهيم محمد طلاي، ص 27-33.

شاركنا بتعليقك