إسهامات

يقولون: إن العمل قدرة وإرادة، فما تأثير الإرادة الصلبة في إحراز النجاح؟

لا شك أن للإرادة القوية والعزيمة الماضية دورا خطيرا وتأثيرا عظيما في إحراز النجاح، فنحن نعيش في زمان مزدحم بالمنافسين والوصول إلى شيء عظيم ليس بالأمر اليسير، الإرادة الصلبة تعني أننا نملك العزيمة على عمل ما نحن مقتنعون بعمله والعزيمة على الانتهاء والإقلاع عما نحن مقتنعون بضرورة الإقلاع عنه.

والحقيقة أن هذه النقطة تشكل العقدة الرئيسة في مسيرة التغيير والإصلاح والإنجاز؛ إذ إن لدى كثير من الناس أفكارا جميلة ومفاهيم رائعة ومع هذا فإنهم في مؤخرة الركب؛ لأن قيمة الفكرة الجوهرية لا تكمن في صوابها فحسب وإنما في تطبيقها أيضا، إني أعرف كثيرا من الناس العاديين الذين أحرزوا نجاحا كبيرا بسبب قوة المبادرة والتصميم لديهم.

وفي المقابل نعرف جميعا أشخاصا كثيرين لم ينجحوا لأنهم غير قادرين على كسر رهبة الخطوة الأولى والمضي في الطريق الذي يعتقدون أن عليهم السير فيه. نحن في كثير من الأحيان ندعي أننا لا نقدر على فعل كذا وكذا ولا تكون هذه هي الحقيقة، إنما الحقيقة أننا لا نريد أن نفعل كذا وكذا، ولك أن تتأمل بعمق قول الله -جلّ وعلا-: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ التوبة: 46.

حين يقول المرء: إني أريد أن أفعل كذا فهذا يعني أنه يحشد الطاقات للتمكن من فعله، فإذا لم يقم بذلك فهذا يعني أنه لا يريد وإنما يحلم أو يتخيل أو يكذب!

ما دام ليس كل الناس يملكون إرادات صلبة، فهل هناك شيء نقوله لذوي الإرادات الضعيفة؟

مع تعقد الحياة وتقدم العلم يتضاءل دور كل شيء فطري يأتي مع الإنسان لصالح الأشياء المصنوعة والمكتسبة، كل ما هو فطري لم يعد كافيا اليوم للتعامل مع متطلبات الحياة الجديدة، ولا بد من الكسب والتخطيط والتنمية، ولا تستثنى (الإرادة) من هذه القاعدة. وقد قال ﷺ لافتا نظر الأمة إلى هذا المعنى: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه".

التحلم والتعلم وتحري الخير وتوقِّي الشر كلها أمور تقوم على الطلب والقصد والسعي، وهذه المساعي هي التي تفتح على المرء أبواب العلم والحلم والخير...

ليحاول أصحاب الإرادات الضعيفة سلوك مسالك أصحاب الإرادات القوية، وهي مسالك تقوم على التغلب على نوازع الهوى وتقلبات المزاج ونوازع التفلت من الإنجاز والمثابرة، نحن جميعا في حاجة إلى مجاهدة أنفسنا وإلى محاربة داء التسويف والتأجيل وداء إيجاد الأعذار لعدم القيام بما نعتقد ضرورة القيام به.

وهذا عام ومهم للجميع، حتى أصحاب الإرادات القوية يظلون في حاجة إلى المجاهدة؛ لأن النفس البشرية تركن إلى الخمول والكسل والفوضى، والمجاهدة وحدها هي السبيل لمقاومتها والتغلب عليها، وإني أنصح في هذا السياق أن يصحب الذين يشعرون بضعف الإرادة أولئك الأفذاذ المعروفين بالتصميم والعزيمة والدخول إلى عالمهم والاقتباس من أرواحهم وعاداتهم. وليس هناك علاج حاسم يتناوله المرء مرة واحدة في الحياة فيصبح صلب الإرادة، ولا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه.

المصدر: كتاب من أجل النجاح، د. عبد الكريم بكار، صفحة 47-49.

شاركنا بتعليقك