إسهامات

في عالم الطبيعة توجد الأشياء وجودا موضوعيا، فالأرض تدور حول الشمس سواء عرفنا ذلك أو لم نعرف، وسواء رغبنا في ذلك أو لم نرغب، قد نكره هذه الحقيقة ولكننا لا نستطيع تجاهلها أو تغييرها. أما في عالم الأخلاق، فإن هذه الحقائق لا معنى لها، فهي ليست خيرا ولا شرا، بل لا وجود لها، ففي عالمنا الجواني ليس للأشياء وجود موضوعي، لأننا نحن الذين نساهم مباشرة في وجودها، نحن الذين نشكل هذا العالم الجواني، وهذا هو ميدان الحرية الإنسانية.

في العالم البرّاني نفعل ما يجب علينا أن نفعله، في هذا العالم يوجد الغني والفقير، الذكي والغبي، المتعلم والجاهل، القوي والضعيف (وجميع هذه الأشياء لا تتوقف على إرادتنا ولا تعبر عن ذواتنا الأصيلة). في مقابل هذا العالم يوجد عالمنا الجواني، وهو عالم قوامه الحرية والاختيارات المتساوية، وهي حرية كاملة حيث لا تحدها حدود مادية أو طبيعية.

وتعتبر الحرية عن نفسها في النية والإرادة. فكل إنسان يتوق إلى أن يحيا في اتساق مع ضميره وفقا لقوانين أخلاقية معينة، وقد لا يكون هذا سهلا عند البعض، إلا أن كل إنسان يقدر قيمة الاستقامة، كثير من الناس لا يعرفون سبيلا لدفع الظلم، ولكن جميع الناس قادرون على كراهية الظلم واستهجانه في أفئدتهم، وفي هذا يكمن معنى الندم، ليست الإنسانية في الكمال أو العصمة من الخطأ، فأن تخطئ وتندم هو أن تكون إنسانا.

كم من أشياء فعلناها وكنا لا نريد حقيقة أن نفعلها؟ وكم من أشياء وددنا أن نفعلها ولكن لم نفعلها أبدأ؟ إذن، هناك عالمان: عالم القلب وعالم الطبيعة، فالرغبة قد لا تتحقق ولكنها حقيقة في عالم قلوبنا، حقيقة كاملة، ومن جهة أخرى، يقع الفعل بالصدفة المحضة، فعل لم يكن مقصودة ولكنه حدث كاملا في العالم الطبيعي، ولم يحدث مطلقا في العالم الآخر، عالم الحياة الجوانية.

هذه العلاقة بين الإرادة والفعل تعكس التناقض المبدئي بين الإنسان والعالم، وتظهر على السواء في الأخلاق والفن والدين، فالنية والرغبة والتقوى تنتمي جُوّانيا بعضها إلى بعض وعلاقتها واحدة في انعكاساتها المادية في السلوك، وفي العمل الفني، وفي الشعائر التعبدية، فالأولى تجربة روحية، والثانية أحداث في العالم البرّاني.

وهنا يثور سؤال: هل نحكم على الأعمال بالنوايا التي انطوت عليها، أم بالنتائج التي ترتبت عليها؟ الموقف الأول هو رسالة كل دين، أما الموقف الثاني، فهو شعار كل أيديولوجية أو ثورة، فهناك منطقان متعارضان، أحدهما يعكس إنكار العالم، والآخر يعكس إنكار الإنسان.

وكان لابد للعلم وللنظرية المادية أن يدليا بدلويهما في مسألة أصالة النية والقصد في السلوك الإنساني، وانتهيا إلى أن النية ليست مبدأ أوليا ولا أصيلا، بل شيء لا يوجد له تفسير عندهما، شيء هو أقرب إلى أن يكون نتيجة من أن يكون سببا، ومن ثم، فمصدر الفعل الإنساني -عندهما- ليس النية، وإنما يقع في منطقة وراء الوعي في منطقة الجبرية العامة.

يقرر الدين عكس ذلك حيث يؤكد أن هناك مركزا جوانيا في كل إنسان يختلف عن بقية العالم، وهو أعمق ما في هذا الكائن الإنساني ألا وهي النفس والنية خطوة إلى أعماق الذات، وهنالك يتبنى الإنسان الفعل أو يحققه ويؤكده تأكيدا جوانيا. قد يقوم به في العالم الخارجي وقد لا يفعل، إنما في العالم الجواني قد تحقق الفعل وانتهى، بدون الرجوع إلى هذا العالم الجواني يصبح عمل الإنسان عملا آليا، مجرد صدفة في العالم البراني الزائل.

ليس الإنسان بما يفعل بل بما يريد، بما يرغب فيه بشغف، وفي الأدب لا يقتصر الكاتب على الحركة الروائية أو المسرحية وإنما يتعمق في نفسية بطله ويصف حوافره الخفية، فإذا لم يفعل ذلك، كان ما يكتبه مجرد سرد لتاريخ زمني بالأحداث، وليس عملا أدبيا.

لقد ذهب أرنولد جیولنکس إلى أن وجودنا الحقيقي يشتمل على الإدراك والإرادة فقط، وهو مركب يجعلنا عاجزين عن القيام بأعمال أبعد من حدود وعينا، وتكاد تكون جميع الأفعال، أبعد من قدرتنا، لأنها جميعا ملك للمشيئة الإلهية، ولذلك فإن الأخلاق ليست في العمل المخلص، وإنما فقط في النية المخلصة.

ويعبر "هيوم" عن فكرة مماثلة حيث يقول: "إن الفعل ليس في ذاته قيمة خلقية، ولكي نعرف القيمة الخلقية لإنسان علينا أن ننظر في داخله، وحيث أننا لا نستطيع ذلك بطريق مباشر فإننا نصرف نظرنا إلى أفعاله، ولكن هذه الأفعال كانت ولا تزال مجرد رموز على الإرادة الجوانية، ومن ثم فهي أيضا رموز للتقييم الأخلاقي".

العمل الذي انعقدت عليه النية، هو عمل قد تم أداؤه في عالم الأبدية، أما أداؤه البرّاني، فيحمل طابعا أرضيا فهو مشروط لا أصالة فيه، إنه صدفة، بل لا معنى له. النية حرة، أما الأداء فيخضع للقيود والقوانين والشروط. النية جميعها ملك لنا، أما الأداء فينطوي على أمور غريبة عنا، عرضية في ذاتها.

والإنسان خير ما أراد أن يكون خيرا، وفي حدود فهمه للخير حتى ولو اعتبر هذا الخير شرا في نظر شخص آخر، والإنسان شرير ما أراد أن يفعل الشر، حتى ولو بدا فيه خير للآخرين أو من وجهة نظر الآخرين. فمدار القضية في عالم الإنسان الجوّاني الخاص، في إطار هذه العلاقة -وهي علاقة جوّانية روحية- يقف الإنسان وحده تماما، وهو حر شأنه شأن الآخرين. وهذا هو معنى عبارة سارتر التي تقول بأن: "كل إنسان مسؤول مسؤولية مطلقة، وأنه ليس في الجحيم ضحايا أبرياء ولا مذنبين أبرياء".

المصدر: كتاب الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفتش، صفحة 179-182.

شاركنا بتعليقك