إسهامات

1. مفهوم التوبة

التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه الندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة.

والتوبة مانع من إنفاذ وعيد جميع الذنوب ودليل ذلك النص والإجماع، أما النص فمنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الزمر: 53. أي لمن تاب.

وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَم بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِنم بَعْدِ ظُلمهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ المائدة: 38، 39.

وفي قوله ﷺ فيما رواه مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". وقوله ﷺ: "إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر"، فالتوبة مانع شامل منع إنفاذ وعيد جميع الذنوب، الكفر فما دونه، وهذا الشمول مختص بهذا المانع، فالتوبة تمحو جميع السيئات وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة.

ومعنى الشمول في أثر التوبة، أن المذنب إذا تاب من أي ذنب توبة صحيحة ارتفع وعيد ذنبه الذي تاب منه، وأما ما لم يتب منه فوعيده باق بحاله ولذلك إذا أسلم الكافر ولم يقلع عما كان يمارسه في كفره من كبائر، فإنه يؤاخذ بالأول منها والآخر، لأن إسلامه تضمن التوبة من الكفر دون الكبائر ويدل على هذا ما رواه مسلم بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء بالإسلام أخذ بالأول والآخر".

والمقصود بحسن الإسلام التزام الأوامر، وترك النواحي. وأما قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَّعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الاَوَّلِينَ الأنفال: 38. فإنما يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه والكافر إذا أسلم وبقي مصرا على ما عمل من كبائر حال کفره فهو منته عن الكفر دون الكبائر، فيغفر له الكفر الذي انتهى عنه، دون الكبائر التي لم ينته عنها.

2. الاستغفار

يقول الآلوسي في تعريفه هو: طلب ستر الذنوب من الله تعالى والعفو عنه. فالاستغفار طلب أمرين في آن واحد، ستر الذنب والتجاوز عنه، ولا يغني الأول عن الثاني، لأن ستر الذنب لا يستلزم إسقاط العقوبة، فإن الله قد يستر على من يعاقب ومن لا يعاقب. ودلت النصوص الشرعية علة أن الاستغفار مانع من إنفاذ الوعيد ومن هذه النصوص:

قوله تعالى ﴿وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىا مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبـِّهِمْ .. آل عمران: 135، 136. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا النساء: 110. وقال تعالى: ﴿وَلَوَ اَنَّهُمُ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا النساء: 64.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء يقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم". فدلت هذه النصوص المحكمة على أن الاستغفار مانع من إنفاذ وعيدالله عز وجل.

إن الاستغفار من أنواع الدعاء، لأن حقيقته سؤال الله تبارك وتعالى ستر الذنوب والتجاوز عنه والدعاء سبب مقتض للاستجابة، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبـُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمُ غافر: 60.

كما أن الاستغفار لأهل الكبائر مشروع، لأنهم داخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ محمد: 19. ولأن المغفرة ترجى لهم، كما ذل على ذلك قوله تعالى: ﴿اِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ. النساء: 48. وذلك لأن مغفرة ذنوبهم ترجی بالاستغفار لهم، فكيف بصاحب الكبيرة لو استغفر لنفسه استغفار صادرا من قلب منکسر بالذنوب، أو وافق ساعة من ساعات الاستجابة، كالأسحار وأدبار الصلوات المكتوبات، ألا يكون استغفاره أولى بالقبول أو مماثلا على الأقل.

إن الاستغفار سبب مقتض للمغفرة، وقد يقترن به ما يقوي اقتضاءه وذلك من حيث الصيغة والهيئة والوقت وعمل القلب.

فمن حيث صيغة الاستغفار يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا بدأ العبد بالثناء على ربه ثم ثنَّى بالاعتراف بذنبه ثم سأل الله المغفرة وذلك كما في سيد الاستغفار، وهو ما رواه البخاري بسند عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

ومن حيث الهيئة يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين واستغفر لذنبه وذلك لِما رواه الترمذي بسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر له".

ومن حيث الوقت يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا استغفر العبد في أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير، فقد روي البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى الثلث الآخر يقول: من يدعوني، فاستجب له، من يسألني أعطيه من يستغفر فاغفر لها".

من حيث عمل القلب يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا خرج عن قلب منکسر بالذنوب، لأن انكسار القلب من أعظم أسباب الإجابة، بل إن ابن القيم يرى أنه: هو السر في استجابة دعوة الثلاثة، المظلوم، والمسافر، والصائم، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم، فإن غربة المسافر وكسرته، مما يجده العبد في نفسه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السبُعية الحيوانية ويذلها.

3. الحسنات الماحية

هي الطاعات المقبولة قبول رضا أو قبول ثواب، وأما المقبولة قبول إسقاط للعقاب فلا يحصل بها شيء من المحو. وإن حصول الحسنات الماحية للسيئات لا يكون إلا مع القبول الذي عليه الثواب، فبقدر ما يكتب له من الثواب يكفر به من السيئات الماضية وما لا ثواب فيه لا يكفر وإن برئت به الذمة. ودلت نصوص شرعية كثيرة على أن الحسنات يمكن أن تمنع إنقاذ وعيد السيئات.

-بتصرف-

المصدر: كتاب الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، علي محمد الصلابي، ص701-705.

شاركنا بتعليقك