إسهامات

لقد تناول العلماء هذه القضية بالتفصيل، ومن أراد التوسع أكثر فليرجع إلى الكتب والمراجع التي تناولت هذه القضية، كالجزء الثاني من كتاب قناطر الخيرات، وككتاب مختصر منهاج القاصدين الذي سأذكر الآن بعضا مما ذكره بشيء من التصرف، يقول: "اعلم أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده، وسبب الإصرار الغفلة والشهوة، ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم، ولا تضاد الشهوة إلا بالصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة. والغفلة رأس الخطايا، فلا دواء إذا للتوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر. والأطباء لهذا المرض هم العلماء؛ لأنه مرض القلوب، ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان.

ونشير إلى الأعمال النافعة لعلاج مرض الإصرار، وهي أربعة أنواع:

الأول: أن يذكر ما في القرآن العزيز من الآيات المخوفة للمذنبين، وما ورد في الأخبار والآثار من ذلك، ويمزج ذلك بمدح التائبين.

النوع الثاني: معرفة وتذكر حكايات الصلحاء السابقين والسلف الصالح والتفكر فيها وفيما أصابهم من المصائب بسبب الذنوب.

النوع الثالث: أن يعلم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب، فهو بسبب جناياته، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة يخاف عقوبة الدنيا أكثر لفرط جهله. والذنوب قد يتعجل في الدنيا شؤمها كما تبين ذلك سابقا.

النوع الرابع: ذكر ما ورد من العقوبات في آحاد الذنوب، كشرب الخمر، والزنى، والقتل، والكبر، والحسد، والغيبة.

وهذا الذي ذكرنا هو علاج الغفلة، فيبقى علاج الشهوة، وطريق علاجها الصبر، فإن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره، وإنما يحمله على ذلك شدة شهوته، أو غفلته من مضرته، فلا بد من مرارة الصبر، وكذلك يعالج الشهوة في المعاصي، كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة، فصار لا يقدر على حفظ عينه وقلبه وجوارحه في السعي وراء الشهوة، فينبغي أن يستحضر المخوفات التي جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، فإذا اشتد خوفه تباعد عن الأسباب المهيجة للشهوة. فلا بد إذا من الصبر، ومن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء، ولا يصبر أحد إلا عن خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة، فأول الأمر حضور مجالس الذكر -أي المحاضرات الدينية-، والاستماع بقلب مجرد عن الشواغل، ثم التفكر فيما قيل، فينبعث الخوف، ويسهل الصبر، وتتيسر الدواعي لطلب العلاج، وتوفيق الحق - سبحانه- من وراء ذلك كله".

-بتصرف-

المصدر: موقع جريدة الوطن

شاركنا بتعليقك