إسهامات

اقتضت حكمة الله وعدله أن لا يعذِّب المسيء عذابا أبديًّا، ولا يثيب المطيع ثوابا أبديًّا حَتَّى يطلعهما عَلَى أعمالهما، إن خيرا فخير، أو شَرًّا فشرٌّ، وَهَذَا ما يطلق عَلَيْهِ اصطلاحا: الحساب.

تعريف الحساب:

الحساب في اللغة: من حسبه حسبا وحسبانا وحسابا وحسبة وحسابة: بمعنى عده والمعدود محسوب.

وفي الاصطلاح: هو تعريف الله عبادَه مقادير الجزاء عَلَى أعمالهم، وتذكيره إِيَّاهُم ما قد نسوه، واطلاعهم عَلَى ما قَدَّمُوه من أعمال صالحة أو سَيِّئَة، وتبيين العمل المقبول منها والمردود.

وَالأَدِلَّة عَلَيْهِ كثيرة من القرآن وَالسُّنَّة، قَال تَعَالىَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ الأنبياء: 47. وقال أيضا: ﴿اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً الإسراء: 36. ﴿إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ص: 26.

الحكمة من الحساب:

من حكم الله في الحساب:

1. ظهور فضائل المُتَّقِينَ ومناقبهم، فيزداد شكره لله، وافتضاح العصاة ومثالبهم عَلَى رؤوس الأشهاد، فتزداد حسرته.

2. بيان عدل الله المطلق، وَأَنَّهُ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا النساء: 40، وقطع للعذر، كما قال ﷺ: "...ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله... ولا أحد أحبَّ إليه المدحة من الله".

مَنِ المحاسِب؟

يشير القرآن الكريم إِلىَ أَنَّ المحاسِب هو الله، وَلَكِن مِنَ العلماء مَن حَمَل تلك الآيات عَلَى أَنَّ الذي يقوم بالحساب «هو خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تَعَالىَ، خَلَقَه لِذَلِكَ، وجعل له قدرة محاسبة الخلق كُلِّهم... ويحتمل أن يخلق الله صوتا يسمعونه يكلِّمهم به». وَلَكِن مالنا نلجأ إِلىَ تأويل حساب الله بخلق ملَك مُكَلَّف بِذَلِكَ؟ وهل يُستعظم في حقِّ الله محاسبته للخلق أجمعين بِكَيْفِيَّة لم ندركها بعد في هَذِهِ الدنيا؟ يقول الجيطالي: «وليس حساب الله العباد كحساب الخلق، يتعالى ربُّنا عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا، وَلَكِن حسابه فصل وتمييز، لا يشغله حساب أحدٌ عن أحد، كما لا يشغله رَزْق أحد عن أحد، وقيل لعليِّ بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد عَلَى كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم عَلَى كثرتهم».

مَنِ المحاسَب؟

اشتُهرت في أذهان الناس مقولة ذكرها الجيطالي، وهي «إِنَّ الناس يومئذ ثلاثة أصناف: صنفان لا يُسألان عن العمل، وهم الأنبياء والمشركون، فالأنبياء إِلىَ الجَنَّة بغير حساب، والمشركون إِلىَ النار بغير حساب... وصنف ثالث يسأل عن الأعمال وهم المؤمنون [والفاسقون]...»، وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالىَ:

1. ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ القصص: 78.

2. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ الرحمن: 39.

وَلَكِن في المقابل نجد أغلب آيات القرآن يَدُلُّ ظاهرها عَلَى أَنَّ المرسلين والمشركين مسؤولون، منها:

1. قَوله تَعَالىَ في شأن المرسلين: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ الأعراف: 6.

2. قوله في شأن المشركين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ الحجر: 92-93.

3. خطاب المشركين بقوله: ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ التغابن: 7.

إِلىَ غير ذَلِكَ من الآيات…

حساب المطيع والعاصي، وصحائفهما:

تثبت النصوص وجود الاختلاف في الحساب بين الناس:

1. منهم من لا يستغرق حسابه أكثر من فواق ناقة، أي حلبها، كما قال النَّبِيء ﷺ، ومنهم من يشتدُّ عَلَيْهِم الحساب ويطول.

2. يَنُصُّ القرآن عَلَى أَنَّ المطيع يحاسب حسابا يسيرا، وَأَنَّهُ يؤتى بصحائف أعماله بيمينه، وَأَنَّ العاصي يحاسب حسابا عسيرا، ويؤتى بصحائفه بشماله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ اِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ... إِلىَ أن يقول: ﴿وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ اَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ الحاقة: 19-27، أو يؤتى بكتابه من وراء ظهره، قَالَ تَعَالىَ: ﴿فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيُصَلَّى سَعِيرًا الانشقاق: 7-12.

وَهَذَا الكِتَاب الذي يؤتاه العبد يوم القيامة يجد فيه كُلَّ ما اجترحه من كُلِّ أعماله الحسنة أو السَّيِّئَة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف: 49، وقال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: 29.

هَذَا ما ثبت بِالنَّصِّ القطعيِّ، يبقى كَيفِيَّة هَذِهِ الصحائف، ونوعها، وَكَيفِيَّة الكِتَابة المسجَّلة عَلَيْهَا... فَاللهُ أعلم بِكُلِّ ذَلِكَ.

وفي الحساب يجب الإيمان بِهَذِهِ الأمور:

  • أَنَّ حساب الله تَعَالىَ دقيق جِدًّا، وعادل عدلا مطلقا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا النساء: 40.
  • أَنَّ المطيع يحاسب حسابا يسيرا، وَأَنَّهُ يؤتى بصحائف أعماله بيمينه، وَأَنَّ العاصي يحاسب حسابا عسيرا، ويؤتى بصحائفه بشماله أو من وراء ظهره، قَالَ تَعَالىَ: ﴿فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ اِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ... إِلىَ أن يقول: ﴿وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ اَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ الحاقة: 19-27، ﴿فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيُصَلَّى سَعِيرًا الانشقاق: 7-12.
  • أَنَّ هَذَا الكِتَاب يتضمن كُلَّ الأعمال الحسنة والسَّيِّئَة، وهو ﴿لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا الكهف: 49.
  • أَنَّ هول يوم الحساب عظيم ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ عبس: 33-37.

-بتصرف-

المصدر: كتاب دروس في أصول الدين، مصطفى بن محمَّد شريفي.

شاركنا بتعليقك