إسهامات

الموت هو مفارقة الروح:

من العجيب أَنَّ بعض العلماء خاضوا في ماهية الروح، وتناقشوا فيها بالمنظور المادي المحسوس، فوقعوا في إشكالات كثيرة كان من الممكن تفاديها لو أَنَّهُم اكتفوا بتفويض الأمر فيها إِلىَ الله تَعَالىَ، كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً الإسراء: 85. والأمور التي يمكن بحثها إِمَّا محسوسة فيمكن فيها استخدام المنهج التجريبي، وَإِمَّا غير محسوسة لا يمكن الخوض فيها بغير دَلِيل نقلي صحيح وصريح؛ والروح ليست من هَذَا ولا ذاك. لِذَلِكَ قال الشيخ السالمي:

والقول بالإمساك في الروح أحقّ      وما سوى التخمين للذي نطق.

أي الكف عن الخوض في الروح وعن تعاطي بيان ماهيتها أحقُّ... وإذا عرفت أَنَّهُ لا دَلِيل للخائضين سوى التخمين ظهر لك أَنَّ الوقوف عن الخوض فيها واجب، وهو مذهب الجنيد. لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الإسراء: 36.

الموت للجسد، هو بوابة الانتقال من الدار الفانية إِلىَ الدار الباقية. وهو أمر لا يمكن أن ينكره عاقل. وَإِنَّمَا عَلَى المسلم أن يعتقد: أَنَّ كُلَّ شَيْء فانٍ، وَأَنَّ كُلَّ حيٍّ لا شَكَّ سيموت، قَالَ تَعَالىَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ آل عمران: 185، وَأَنَّهُ لا مفرَّ منه مهما أوتي المرء من قُوَّة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ النساء: 78، وقال تَعَالىَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ القصص: 88، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ الرحمن: 26-27.

واعتقاد الفناء التامِّ للدنيا، أمر واجب شرعا، واعتقاد عدم الفناء يعتبر تسويةً للخلق مع الله في بقائه، فالخلق كان عدما محضا، ثُمَّ يصير عدمًا عند النفخة الأولى، ليبعث من جديد عند النفخة الثانية، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ الزمر: 68.

ومن المخلوقات ما يفنى إِلىَ الانقلاب، وهم الأحياء العقلاء، ومنها ما يفنى إِلىَ الانقلاب ثُمَّ التلاشي، وهي الحيوانات، بدليل قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلىَ رَبِّهِم يُحْشَرُونَ الأنعام: 38، ومنها ما يفنى إِلىَ التلاشي، وهي الجمادات والنباتات.

ملك الموت:

إِنَّ أمر الحياة والموت بيد الله وقضائه وقدره، وَلَكِنَّهُ قد وكَّل ملكا بقبض الأرواح، قال تَعَالىَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ السجدة: 11، وقد جعل الله لهذا الملك رُسُلا (خدما أو جنودا وأعوانا) لنفس الْمَهَمَّة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَالأنعام: 61. والمشهور أَنَّ اسم ملك الموت: عزرائيل، ومعناه: عبد الجَبَّار.

موت المؤمن وموت الكافر:

أشار القرآن إِلىَ أَنَّ ملك الموت رفيق بالمؤمن، بحيث يهوِّن عَلَيْهِ سكرات الموت، قَالَ تَعَالىَ: ﴿الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ النحل: 32، وَأَمَّا أرواح الكُفَّار فَإِنَّهَا تنتزع نزعا، وتضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وتراهم يعانون من سكرة إِلىَ سكرة، وهم في أَشَدِّ حسرة عَلَى ما فرَّطوا في جنب الله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ الأنفال: 50، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَالِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ سورة محَمَّد: 28.

الموت والأجل:

مِمَّا يجب الإيمان به أَنَّ الموت لا يكون إِلاَّ في الأجل الذي حدَّده الله في الأزل، ولا يملك أيُّ مخلوق تقديم الأجل أو تأخيره، قال تَعَالىَ: ﴿وَلَنْ يُّؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا المنافقون: 11، وقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ النحل: 61.

وَلَكِن مع وضوح القضية فَإِنَّ علماء الكلام خاضوا في مسألة المقتول، هل مات في أجله، أم في غير أجله؟ ذهب الإِبَاضِيَّة وجمهور الأَشْعَريَّة إِلىَ أَنَّهُ مَيِّت بأجله، «وذهبت المعتزلة إِلىَ أَنَّ المقتول مَيِّت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره، وَأَنَّهُ لو لم يقتل لعاش إِلىَ الوقت الذي حدِّد له، وَهُوَ مذهب فاسد».

وَمِمَّا ناقشوه أَيضًا: مسألة زيادة عمر الإِنسَان بِبَعْض أعمال البر، كصلة الرحم، وَلَكِن الواقع لا إشكال في مثل هَذِهِ القضية إذا تيقَّنَّا أَنَّ الله تَعَالىَ قد قدَّر كُلَّ شَيْء، وَأَنَّ أجل المرء لا يمكن أن يَتَقَدَّمَ أو يتأخَّر، كما ثبت في النَّصِّ القطعي الآنف الذكر، فيستحيل أن يَتَغَيَّر ما في علم الله، لأَنَّهُ لا تبدو له البدوات.

المصدر: دروس في أصول الدين، مصطفى شريفي.

شاركنا بتعليقك