إسهامات

إن الإيمان بالبعث بعد الفناء يقتضي التسليم بالحساب والجزاء، لذلك كانت دعوة الرسول رسول الله ﷺ الناس على التسليم بالبعث تستوجب الإيمان بالحساب والجزاء.

غير أن دعوة رسول الله ﷺ الناس إلى التسليم بالجزاء قوبلت بالمعارضة الشديدة من الوثنيين. وقد رأى المشركون أن الإيمان بالحساب والجزاء يكسر من كبريائهم، والإقرار به يحد من شهواتهم، ويفوت عليهم مصالح مادية كثيرة. والتنازل عن مبدئهم أمر صعب لا تطاوعه النفوس المدنسة بأوحال الفاحشة وأرجاس المعاصي.

إن قضية الجزاء وراءها المحاسبة الدقيقة على كل ما يقترفونه من أجرام في حق الآخرين إذا في المسألة قصاص ورد للحقوق إلى أهلها؟

وأمام هذه التساؤلات ينكص المجرمون على أعقابهم مستكبرين لا يلوون على شيء وهم يرددون: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ… النحل: 38.

كذلك فإن الإيمان بالحساب بعد الموت يقتضي التواضع لله الخالق وللرسول وللمؤمنين، وهذا يفوت عليهم فرصة التعالي في الأرض واستغلال الضعفاء والاستئثار بالمكاسب الدنياوية.

وهل يعقل أن ينزل المتعالون من شموخهم ليقفوا صفا واحدا مع أولئك الفقراء أو العبيد سواء بسواء لا يتفاضل الواحد على الآخر إلا بالتقوى؟ مقابل وعد الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟

أسئلة تردد على خواطر المشركين، وفي النهاية يرون أن المتعة المادية أفضل من متعة معنوية وأن التمسك بالمشاهد أضمن من الجري وراء الغيب. فتغلب عليهم شقوتهم ويتشبثون بالمادي المحسوس ويكفرون بوعد الله ووعيده.

إن الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر يعني الوقوف بين يدي الله للحساب، فكيف يقف أولئك المستكبرون المتجبرون صاغرين أمام الله تعالى ليحاسبوا على كل عمل صغيرا أو كبيرا كل هذه الأسباب جعلت المشركين يتعامون عن هذا النداء ويصدون دعوة الرسول عليه السلام بكل ما أوتوا من وسائل ليثنوه عما يدعوهم إليهم.

قامت دعوة الرسول ﷺ بين الناس تغرس مبدأ البعث والحساب وتبين لهم أنها مطلب فطري، حيث إن الإنسان تتوق نفسه إلى معرفة مصيره كما عرف مبدأه. وكثيرا ما كان يتساءل عن المعاد؟ وعن العدل الإلهي؟ هذه الأسئلة الكثيرة التي تتوارد على البال لا يجد لها الإنسان جوابا شافيا إلا في ظل عقيدة التوحيد الذي رفع رايتها الداعية المعلم والرسول المربي محمد بن عبدالله ﷺ مؤيدا بالوحي من الله تعالى يسدد خطاه ويقوى محبه، فالإيمان بالبعث والجزاء ركن في الاعتقاد الصحيح وضرورة حتمية لإقامة بناء المجتمع الإسلامي السوي يسوده العدل والتعاون بين أفراده الذين يقيمون مسلكهم على مبدأ البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال.

-بتصرف-

المصدر: كتاب شذا من السيرة، أحمد بن مهني مصلح.

شاركنا بتعليقك