إسهامات

إن عقيدة القائلين بخلود أصحاب الكبائر في النار، التي أنكرها من أنكرها عليهم وحكم عليهم من أجلها بالكفر، هي العقيدة التي نطق بها القرآن، ودعمتها الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ، فهي العقيدة التي يجب على المسلم أن يعتصم بحبلها وأن يلقى الله عليها، كيف وقد عزا القرآن الكريم ما يخالفها إلى اليهود، وأنكره عليهم، وقرر أنه منشأ انحرافهم عن الحق حيث قال: ﴿ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ آل عمران: 23.

ومن أمعن النظر في أحوال الناس يتبين له أن اعتقاد انتهاء عذاب العصاة إلى أمد، وانقلابهم بعده إلى النعيم جرّأ هذه الأمة - كما جرّأ اليهود من قبل- على انتهاك حرم الدين، والتفصِّي عن قيود الفضيلة، والاسترسال وراء شهوات النفس، واقتحام لجج أهوائها.

ولا أدلَّ على ذلك من ذلك الأدب الهابط الذي يصور أنواع الفحشاء، ويجلّيها للقراء والسامعين في أقبح صورها وأبشع مظاهرها، وقد انتشر هذا الأدب في أوساط القائلين بالعفو عن أهل الكبائر، أو انتهاء عذابهم إلى أمد، انتشاراً يزري بقدر أمة القرآن، وغلب على المؤلفات الأدبية، مطولاتها ومختصراتها، كالأغاني، ومحاضرات الأدباء، والعقد الفريد، حتى كاد الأدب يكون عنوانا على سوء الأدب.

وقد صان الله من ذلك أدب أصحاب العقيدة الحقة، الذين رسخ في نفوسهم ما جاء به القرآن من أبدية عذاب أهل الكبائر المصرّين كأبدية المطيعين المحسنين، كما صان الله سلوكهم، وطهر وجدانهم، وسلّم سرائرهم من الاستهانة بحرمات الله تعالى، والاستخفاف بأحكامه الزاجرة، ولو قلّبت صفحات أدبهم لوجدتهم -في شعرهم ونثرهم- كما يقول الأستاذ أحمد أمين: "لا يعرفون خمرًا ولا مجونًا، فلا تجد في أدبهم خمرًا ولا مجونًا".

واسمح لي أخي القارئ الكريم أن أقول كلمة -والألم يعتصر قلبي والأسف يلهب وجداني- إن مما يضاعف المصيبة ويكثّف البلاء أن توجد صُوَرٌ من الخلاعة المستهترة، والمجون الساقط مثبتة في تراجم رجال يعدّون قمما في أمة الإسلام، هم أجدر الناس بتجسيد فضائل الدين والتحلي بمثله والاعتزاز بآدابه، وقد ضربت صفحا عن الإشارة إلى بعض هؤلاء بالأسماء والكنى حرصاً على السلامة من مزالق القول، وصوناً لأعراض المسلمين، وحفاظا على حرماتهم.

وإنني لأبرأ من إقرار ما نسب إليهم، فإن مبادئنا احترام حرمات جميع المسلمين، خواصهم وعوامهم، فضلاً عن علمائهم الذين زادهم الله حرمة العلم مع حرمة الإسلام، ولكنني أقول إن نفس الاجتراء على نسبة هذه السفاسف إلى أعلام الأمة إجرام لا يستهان به في حقها وحقهم، لم ينشأ إلا من الاستخفاف بأوامر الله الناتج عن الاستخفاف بوعيده الذي يتمثل في دعوى أن الموحد لا يعذّب، وإن عُذب لم يخلد في العذاب.

ولست أنسى ما قاله لي الداعية الكبير العلاّمة المنصف الشيخ عبد المعز عبد الستار: "لو أن الأمة أخذت بعقيدتكم في خلود صاحب الكبيرة في العذاب، لكان لها شأن في الصلاح والاستقامة والنزاهة والعفاف غير ما نراها عليه".

-بتصرف-

المصدر: كتاب الحق الدامغ، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.

شاركنا بتعليقك