إسهامات

المراد بهذه الكلمة، ما تركه الموتى من أوقاف معلقة في أملاكهم التي كانوا يملكونها ينفذها من تنتقل إليه تلك الأملاك كل سنة مدى الدهر حسب رغبة المحبس ووصيته ثم ما يتصدق به الناس ترحما على موتاهم عند ما يشرع في تنفيذ تلك الأوقاف الخيرية.

وفيما يلي أقدم لك صورة لهدا العمل الجليل:

في أشهر معينة من شتاء كل سنة يشرع عزابة كل قرية من قرى مزاب ولا سيما القرى العتيقة "الخمس" في تنفيذ هذه الأوقاف ففي الصباح الباكر من كل جمعة –وهو يوم تفرغ وراحة لدى كل المواطنين – يذهب العزابة ومن يحفظ شيئا من القرآن الكريم من الطلبة وحتى تلاميذ المدارس الذين يحفظون أربعة أحزاب فما فوق يخرجون إلى مصلى مقبرة معينة من مقابر البلدة فيجلسون هناك يرتلون القرآن جماعات ويدرسونه وبعد صلاة العصر تتوافد على المصلى بقسة المواطنين من سكان المدينة وغيرهم، فيشرع في تفريق تلك الأوقاف وتوزيعها على الحاضرين وقد كان يؤتى بها إلى مصلى المقبرة منذ الصباح.

وهذه الأوقاف تتكون من طعام مهيئ من نوع خاص روعي في إعداده عدم تسرعه للفساد وإمكان حمله وتفريقه بسهولة وغالبه: كسكس بسمن، ولحم أو تمور وخبز فمنه ما يؤكل هناك بعد أن يتحلق الناس حلقا ومنه ما يفرق عليهم وعند ذاك يكون الطلبة والعزابة قد أنجزوا تلاوة القرآن من الفاتحة إلى الخواتيم التي ترتلها معهم العامة ثم يرفعون أكفهم بالدعاء إلى الله، فيفترقون مع آذان المغرب ويتكرر هذا العمل كل يوم جمعة طيلة شهرين أو ثلاثة أشهر الشتاء.

والأمر يبدو لأول وهلة أنه ليس بالشيء المهم ولكن إذا تأمل الشخص جيدا وتصور البيئة المجذبة وظروف العيش القاسية في البوادي ثم لاحظ ما يتجمع من هذه الصدقات من خير كثير وكيفية توزيعها يتضح له أن واضع هذا المشروع الإنساني بعيد النظر وأنه حكيم إلى أبعد حدود الحكمة.

ففي أشهر الشتاء يقل العمل ويشتد البرد وتنقطع ثمار الفلاحة فتحتاج الأسر إلى مؤونة أوفر وغذاء أكمل وأقوى فإذا فرقت هذه الصدقات على الناس بما فيها من غذاء كاف من سمن ولحم وقمح.

ويتكرر توزيعها في كل أسبوع لمدة طويلة ألا يكفيهم ذلك شطرا من مؤونتهم؟ ثم كيفية توزيعها الاشتراكي العام لا يخصص بها فقير فقط فلا يحوج إلى إراقة ماء وجهه أو جرح كرامته بتقييده في قائمة الفقراء ووقوفه أمام مركز من المراكز ينتظر الصدقة فالكل يقصد المصلى ليحضر في ختمة القرآن، والكل يتقبل الصدقة الموزعة والكافي يمدها لمن بجانبه أو يحملها إلى منزله فيمدها أهل المنزل ان كانوا في غنى عنها إلى أرملة أو فقير بجوارهم....

المصدر: كتاب "مزاب بلد كفاح" للشيخ إبراهيم بن محمد طلاي ص73-76

شاركنا بتعليقك