إسهامات

يقول الشيخ السالمي رحمه الله:

وبالقضا وبما الرحمان قدره ... ... وأنه خالق أفعالنا حللا

يعني أنه مما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره والفارق بين القضاء والقدر أن القضاء إثبات الأشياء في اللوح إجمالا والقدر إيجادها في المواد تفصيلا، وهناك عبارة أقرب إلى الأذهان من هذه العبارة وهي عبارة القطب في الذهب الخالص قال: القدر خلق الأجسام والأعراض والقضاء إثباتها في اللوح المحفوظ. فكل ما يحدث إنما يحدث بخلق الله تعالى له وهو أيضا مقضي في اللوح المحفوظ يعني سبق أن أثبته الله تعالى في اللوح المحفوظ ولا تبديل لكلمات الله، فلا بد أن يقع ما أثبته الله كما أثبت فيجب علينا أن نؤمن بذلك وقد جاء في الحديث الصحيح المروي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال له: "أنك لن تؤمن ولن وتدرك حقيقة الإيمان حتى تؤمن بقضاء الله وقدره" قال له: وكيف لي أن أعرف قضاء الله وقدره؟ قال: "تدرك أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لك يكن ليخطئك فإن مت على غير ذلك دخلت النار".

وهناك من ذهب إلى أن الأشياء غير مقضية وأن الناس يستقلون بإيجادها استقلالا تاما وهذا هو مذهب المعتزلة وهو مذهب فاسد لمناقضته آيات الكتاب العزيز ولمناقضته العقل كذلك فإن الله سبحانه وتعالى خالق الموجودات لا يمكن أن يقع في هذا الكون الذي خلقه إلا ما هو قاض به ولا يمكن أن يقع أي شيء في الكون كيف شاءت فليست له إرادة وليست له استطاعة وهو مذهب أيضا مناقض للنصوص ومناف للعقل فالنصوص تدل على أن الإنسان يختار فعله يقول الله سبحانه وتعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ويقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ فالعمل صادر عن العبد وإنما خلق ذلك العمل من الله سبحانه.

والقول الحق هو الذي ذهب إليه المصنف وهو أن الإنسان فعله مخلوق لله سبحانه وتعالى ومكتسب من قبل العبد فتتعلق بالفعل قدرتان وإرادتان:

  • قدرة الله تعالى الخالقة وإرادته الخالقة.
  • وقدرة العبد المكتسبة وإرادته المكتسبة.

وهناك نصوص كثيرة من القرآن دالة على ذلك منها قول الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقوله سبحانه وتعالى ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ والفعل شيء صادر من العبد وقوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا فالله تعالى الذي خلق الموت وخلق الحياة وهما غير مكتسبين للعبد هو أيضا خالق للضحك وخالق للبكاء اللذان هما مكتسبان للعبد فجميع هذه الأشياء مخلوقة لله سبحانه وتعالى ولكن للعبد قوة على الاكتساب ويدرك العبد أن هنالك إرادة تدفعه إلى فعلما يشاء أو إلى ترك ما لا يشاء هذه الإرادة تصدر عن أعماق نفسه فالله سبحانه وتعالى عندما يريد العبد اكتساب الخير يهيئه له وعندما يريد أيضا اكتساب الشر يهيئه الله تعالى له فهذه التهيئة هي الخلق من الله سبحانه وتعالى.

لكنه لا بجبر كان منه لنا ... ... وعلمه سابق في كل ما جعلا

وإنما الفعل مخلوق ومكتسب ... ... والخلق لله والكسب لمن فعلا

يعني أن الفعل الذي يثاب العبد عليه ويعاقب عليه لم يصدر من الله تعالى وإنما هو باختيار من العبد وإرادة منه والفعل تتعلق به إرادتان وقدرتان: إرادة العبد المكتسبة وقدرته المكتسبة وإرادة الخالق سبحانه وتعالى الخالقة وقدرته الخالقة ليس هنالك إجبار على فعل شيء من المعاصي ولم يكن الله تعالى ليعذبنا على شيء جبرنا عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما الفعل كما قال الإمام الناظم مخلوق ومكتسب فالخلق لله والكسب لمن عمل أي للعبد الذي يعمل.

-بتصرف-

المصدر: شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد للشيخ السالمي. تأليف: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.

شاركنا بتعليقك