إسهامات

من القضايا التي تعرض لها الأستاذ طعيمة في كتابه " قضية الميزان". نراه يخطئ الإباضية فيما ذهبوا إليه من رأي في الميزان ويعتبرهم يؤولون الآيات والأحاديث لإثبات موقفهم يقول: وما ذهب إليه الإباضية في تأويل الآيات والأحاديث التي تثبت الميزان على أنه جسم مادي مذهب في غير محله ويقول أيضا: "فهم لا يعتقدون أن الميزان الذي يضعه الله لحساب عباده عبارة عن ميزان ذي كفتين ولسان توزن فيه صحائف الأعمال الحسنة وصحائف الأعمال السيئة بل يعتقدون أن الميزان يراد به تمييز الأعمال وتفصيلها والمجازاة عليها لأن أعمال العباد فيما يعتقدون أنها أعراض وليست بأحجام".

فلنبحث أولا في كلمة الميزان في اللغة:

إن كلمة الميزان في اللغة تعني العدل والإنصاف. ووزن الأعمال أي تمييزها وتفصيلها والمجازاة بها. هذا هو المعروف في لغة العرب، يقول الرجل لصاحبه زن كلامك... وبناء على هذا فإن الإباضية لم ينفردوا بهذا التفسير للميزان فقد رأى رأيهم كثير من أهل العلم منهم الضحاك وقتادة ومجاهد.

يقول القرطبي: "وقال مجاهد، وقتادة والضحاك ذكر الميزان مثل وليس ثّم ميزان وإنما هو العدل". وفي لسان العرب: "روى جُويْبر عن الضحاك أن الميزان العدل، وقال بعضهم: الميزان: الكتاب الذي فيه أعمال الخلق".

وقال الرازي في تفسير الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ وفي وضع الموازين قولان:

- قال مجاهد: هذا مثل والمراد بالموازين العدل يروي مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن بالقسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب بسيئاته، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه أي سيئاته تذهب بحسناته. حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.

- وذكر الصنف الثاني الذي يقول بأن الميزان ذو كفتين ولسان:

ونذكر هنا ما قاله الجيطالي في المسألة: "قال أصحابنا ومن وافقهم ميزان الأعمال تمييزها وتفصيلها ووزن النيات المعتقدة لها دليله" ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّفيثقل الحق يوم القيامة لصاحبه فينجو به كما ثقل على نفسه في الدنيا فتحمله فيخف الباطل عند الوزن لصاحبه فيهلك به كما خف على نفسه في الدنيا فارتكبه ولأن الأعمال أعراض لا تظهر للعيان فتوزن بالميزان وإنما وزنها تمييزها وتفصيلها والمجازاة بها.

وقد تكلم العلماء والمفسرون كثيرا في مثل هذه المسألة التي تتعلق بالعقيدة وفي أمثالها من المسائل العقائدية، بل اختلف علماء أهل السنة في المسالة نفسها اختلافات كثيرة.

يقول السيد رشيد رضا: "فاختلف علماء أهل السنة القائلون بأن الوزن بميزان هل هو ميزان واحد أم لكل شخص ميزان أو لكل عمل ميزان، وفي الموزون به حتى قيل إنه الأشخاص لا الأعمال، وفي صفة الموزون والوزن وفيمن يوزن لهم؟ أللمؤمنين خاصة أم لهم وللكفار وفي صفة الخفة والثقل...".

ويكثر الجدل حول أمثال هذه المسائل ويسرد بعض العلماء المعاصرين ذلك إلى انشغال المسلمين عن قضاياهم الأساسية ويقرر سيد قطب موقفه بوضوح فيقول: "ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر الإسلامي فكيفيات أفعال الله خارجة عن التشبيه والمثيل".

غير أن أهل السنة اعتمدوا في تفسيرهم لقضية الميزان على جملة من الأحاديث تبين أن الميزان ذو كفتين ولسان ترى من الواجب علينا ذكر بعض منها والتعليق عليها فيما بعد، بل نقتصر على أشهر الأدلة عندهم في المسألة وهو "حديث البطاقة" فقد رواه الترمذي في باب من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ولفظه "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعاً وتسعين سجلا كل سجل منها مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب، فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال فإنك لا تظلم (قال) فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء".

وهذا من أهم الأحاديث التي يعتمدها "أهل السنة" في تفسيرهم لمسألة الميزان ونورد هنا جملة من التعاليق حول الحديث:

1. وردت أحاديث في الميزان وأنه ذو كفتين ولسان ولكنها لم يرد منها شيء في الصحاح المعتمدة إلا ما ختم به البخاري صحيحه وهو حديث أبي هريرة المرفوع "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان ربي العظيم"، وقد سبق لنا أن ذكرنا أن الأحاديث الأحادية لا تعتمد في العقائد فمن باب أولى أن نترك جانبا الأحاديث التي لم ترد في الصحاح المشهورة وكتب السنن المعتمدة.

2. يعلق صاحب المنار على سند الحديث فيقول: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صريح مرفوع في صفة الميزان ولا في أن له كفتين ولسانا فلا نغتر بقول الزجاج: "إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة" فإن كثيرا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولا سيما غير الحفاظ المتقنين والزّجاج ليس منهم. ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم وإن لم يعرف له أصل من السلف ولا اتفق عليه الخلف منهم. وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت.

3. إن في سند حديث البطاقة مقالا. قال الترمذي هذا حديث حسن وغریب ورواه الحاكم وصححه، غير أن تصحيح الحاكم لا يرفعه إلى درجة الصحة والقوة فتصحيح الحاكم لا يعول عليه. يقول صاحب المنار: "ولو لم يكن في سند هذا الحديث ممن تكلم فيهم غير عبد الله بن شريك الذي بالغ الجوزجاني فوصفه بالكذب لكفى "ورواه ابن حيان وفي سنده عبد الله بن عمر الخراساني قالوا إن له مناكير"

فالحديث لا ينهض بسنده ولا بدلالته حجة على عقيدة ولا رجاحة هذا من حيث السند، أما من حيث المتن فنكتفي بتعليق الغزالي على الحديث نفسه فيقول: "هذا حديث مثير الدلالة وهو لو أخذ على ظاهره يضع على الناس شتى التكاليف الإلهية ويبطل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، ويرد هذا الحديث إذا صح في شخص المشرك الذي أسلم قبل أن يحين أجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة فيصلح فيها ما مضى. أما إطلاق هذا الحديث وأشباهه دون وعي فهو هدم للدين كله.

وبعد هذا العرض الموجز لمختلف أوجه الموضوع نذكر بأن "أهل السنة" خاضوا في مثل هذه المسائل العقيدية كما خاض غيرهم من الفرق الإسلامية وأعملوا عقولهم في النصوص ليدعموا موقفهم وأصدق مثال لذلك اختلافهم في الميزان والأعمال الموزونة على وجوه كثيرة ولو لم يعملوا عقولهم ما اختلفوا في التأويل يقول صاحب المنار "فإن الخلف من المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب فلا مجال إذن لاتهام الإباضية بتقديم العقل على الشرع."

المصدر: كتاب هذه مبادئنا، عاشور كسكاس (رد على كتاب "الإباضية عقيدة ومذهبا" للدكتور صابر طعيمة)، ص 138-143.

شاركنا بتعليقك