1. مزاب مركز الثورات:
... وكانت مدينة بني يزقن في واد مزاب المستودع الحصين الذي وجد فيه الثوار السلاح والتموين والعتاد والسلاح والبارود، يقول الأستاذ أوقستن برنار: "في سنة 1882م، باستيلائنا على مزاب قضينا على عش الثورة الدائم، والمستودع الذي كان يجد فيه الثوار ضدنا الأسلحة والعتاد والتموين."
فبفضل مركز نفطة الهام ومركز واد مزاب الممتاز تمكن الثوار من مصاولة الاستعمار والمحافظة على روح النضال والمقاومة في نفوس شعبنا، كما أن ذلك برهان على روح الإخاء بين أقطار المغرب العربي الكبير.
المصدر: مجلة الأصالة الصادرة عن وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية س1، العدد6.
في 26 أكتوبر 1882 م، تلقى الجنرال دولاتور برقية من الوالي العام لويس تيرمان يأمره بتجهيز قواته والذهاب بها إلى مزاب، لإعلان إلحاقه. واشتملت قواته على 1175 ضابط وجندي، معهم 500 فرس و1851 بعير تحمل مؤونة شهر كامل.
وقد لاقى هذا القرار معارضة شديدة من الطلبة والعامة، إلا أنه أعلن عنه رسميا يوم 30 نوفمبر 1882 م، ورُفع العلم الفرنسي محيًّا بواحدة وعشرين طلقة مدفعية، وقد سجن القائد المباشر للكتيبة هارت مايرْ قطب الأيمة الشيخ أطفيش يوما كاملا في معسكره بأمر من الوالي العام، ليقنع العزابة بفعله هذا بعدم جدوى مقاومتهم لقرار الإلحاق.
وقد ظل بنو مزاب يعتبرون أن إلحاق بلادهم بفرنسا غير مشروع، ويتعارض مع القانون الفرنسي نفسه، وظلوا يرفضون اعتبارهم رعايا فرنسيين ويستدلون لذلك بالقانون الذي ينص على أنه لا يمكن إحالة أرض أو مبادلتها أو إلحاقها إلا بمقتضى قانون وافق عليه مجلسا الأمة الفرنسية، الشروط التي لم تتوفر في قرار الإلحاق هذا، فلم يقع قط عرضه على مجلسي الأمة الفرنسية، بل بقي مجرد مشروع لم يصادق عليه إلا رئيس الجمهورية.
2. مزاب وفصل الصحراء عن الجزائر:
.. وقد استمر الكيد ببني مزاب من طرف الاستعمار الفرنسي متواصلا، فقد اتخذ المخططون الفرنسيون لفصل الصحراء عن الجزائر منذ نشأة شركة ريبـال للتنقيب عن الـبترول سنة 1946 م، اتخذوا محور ارتكـازهم على بني مزاب خاصة، باعتبارهم سياسيا وجغرافيا وتاريخيا العنصر الأساسي الفعال في الصحراء، يعتمدون عليهم بالدرجة الأولى لإنشاء الجمهورية الصحراوية.
اضطرت الحكومة الفرنسية، وقد أحرجها الموقف المتصلب للشيخ بيوض في المجلس الجزائري، إلى إرسال لجنة برلمانية إلى مزاب سنة 1951 م، قام الشعب على إثرها بمظاهرات سلمية في كل مدينة أمام أعضاء اللجنة، يعبرون فيها عن تمسكهم بربط مزاب بالشمال في السياسة والإدارة، وقد ألقى الشيخ بيوض أمام هذه اللجنة خطابا يؤكد فيه رفض فصل واد مزاب عن الجزائر.
وفي 16 مارس 1952 م، قدِمت لجنة برلمانية أخرى لنفس الغرض، فكانت النتيجة كذلك أن مزاب لا يريد بأي ثمن فصله عن الشمال.
ولما رأت فرنسا ذلك التصميم المحكم، فاجأت المزابيين بمؤامرة مقاطعة تجارهم في مدن التل في ماي 1955 م، وقد ذهب ضحيتها عديـد من الشهداء الذين أحرقت دكاكـينهم وانتهبت أموالهم في العاصمة وبوفاريك والبليدة وقسنطينة والأوراس وغيرها.
لم يتخذ هذا القرار إلا من وراء خلفيات أهمها أن الصحراء بالنسبة لديغول كانت ذات أهمية سياسية إضافة إلى أنها المستودع البترولي الذي يضمن لفرنسا استقلالها الاقتصادي عن الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها أيضا ميدان للتجارب النووية لفرنـسا، ومركزا للاتصالات المستقبلية لها.
وقد أوفد الجنرال ديغول في أكتوبر 1959 م رئيس الوزراء ميشال دوبْري من الأغواط إلى وادي مزاب، فعقدا اجتماعا في قصر بلدية غرداية حضره رؤساء بلديات مزاب، فبذل محاولات يائسة في إقناعهم بقبول فصل الصحراء عن الجزائر فلم يفلح.
وفي أواخر سبتمبر 1960 م، أوعزت قوات الاستعمار إلى قوات ابن الونيس المتمركزة في ضاية بن ضحوة بالهجوم المفاجئ على الشعب الأعزل، فهجموا على جماعة من المزابيين خرجوا من المسجد بعد صلاة المغرب في بوشمجان في غرداية فقتلوا أربعة منهم رميا بالرصاص على مرأى من قوات العدو ومسمع.
وفي 7 ديسمبر 1960 م، أصدر ديغول أمره بفصل الصحراء عن الجزائر وربطها رأسا بفرنسا، و الجدير بالذكر أن الجنرال ديغول لم يتلق أي برقية قبول وتأييد على ذلك من مزاب.
وقد قال أوليفي قيشار مستشار برئاسة الجمهورية الفرنسية في هذا الصدد: " اتصلت بالشيخ بيوض بغرداية لهذا الغرض، فرفض هذه الفكرة وهذا العرض رفضا قاطعا، وقال لي الشيخ بيوض حرفيا: إن منطقة مزاب جزء لا يتجزأ من التراب الجزائري ".
3. مزاب حضن الثورة:
كما أن كفاح بني مزاب للاستعمار الفرنسي لم يتوقف عند هذا الحد، فقد كانت متاجرهم في جميع أنحاء التراب الوطني تلعب ورا حساس في حرب التحرير، حيث كانت مراكز هامة لنشاطات الثورة والثوار.
يقول السيد بن يوسف بن خدة عضو لجنة التنسيق والتنفيذ في جبهة التحرير الوطني ورئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عامي 1961 – 1962 م : "كان التجار المزابيون من أخلص المساعدين الذين عملت معهم، كانوا يتمتعون بجدية وطنية فائقة، فوجودهم داخل الحي الأوروبي سهل كثير مهمة لجنة التنسيق والتنفيذ، وقد كانت محلاتهم مراكز للبريد ومسـتودعات للوثائق والمناشير والأسلحة والذخائر وملتقيات المناضلين المطاردين من طرف الشرطة الاستعمارية، كما نقلوا في سياراتهم الخاصة الأسلحة والذخائر ومختلف الوثائق، ورغم الخطر الذي قد يتعرضون له، فهم صورة ناصعة المناضل الجزائري الوفي".
وقد أدلى السيد لخضر بن طوبال وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة لجمعية قدماء تلاميذ معهد الحـياة بالقرارة يوم 25 فيفري 1990 م ما يلي: "وكانوا ( المزابيون ) دائما إلى جانب جبهة التحرير الوطني، ولم تحاكم جبهة التحرير قط مزابـيا واحدا على الخيانة والإجرام، إنني أعرفهم منذ كنت على رأس الولاية الثانية بقسنطينة ... وكانت ثقتنا فيهم كاملة، فعندما نحتاج إلى مبلغ مالي ضخم يكفي أن نتصل بمسؤوليهم ...".
المصدر: مقالات متفرقة.
شاركنا بتعليقك