المرأة المزابية وترشيد الاستهلاك:
إنّ الأعمال التي تقوم بها المرأة في بيتها أو في الحقل، في الغابة أو في المدينة، على تعدّدها وتنوّعها، إلّا أنّ لها طابعا واحدا، من خلاله تقوم المرأة بالبرهنة على نشاطها الاقتصادي في سائر أعمالها.
فدورها اقتصادي من جهتين، أولا من جهة ترشيد استهلاك الأسرة وحسن تدبيرها واقتصادها وتقشّفها في الحياة، وقدرتها على الجلد والتحمّل، ودورها اقتصادي من جهة حرصها على تنمية إنتاجها من صناعة ما تحتاجه الأسرة من ملابس وأفرشة. حيث كان المنزل المزابي إلى عهد ليس ببعيد منتجا للكثير من احتياجات الأسرة، بل يتعدّاها إلى إنتاج ما يحتاجه المجتمع، وكانت ربة البيت إضافة إلى دورها الأساسي في تربية الأطفال والاعتناء بالمنزل الكبير الذي يضم عدد كبير من الأفراد، تساهم في اقتصاد العائلة بنسج ملابس للصغار كما للكبار، وللرجال كما للنساء، وتربية الحيوانات، كما تبرع في تسييرها للمدّخرات الغذائيّة التي تنتجها والمحافظة عليها لكي تدوم لأطول مدّة ممكنة، واستخدمت في ذلك ذكاءها وخبرتها.. إذ كثيرا ما تفتخر بامتلاء "غرف العولة" في المواسم الجيّدة.
في أعمال المرأة المزابيّة تلاحظ الباحثة البلجيكية "غواشون" أمرا لفت انتباهها، فالمرأة المزابية في كلّ تحضيراتها أكثر تقشّفا، ولا ترضى بتضييع حتّى ورقة صغيرة من الشّاي، نواة تمر مثلا توضع في جهة وتقدّم للماعز، وهي لا تفرّط ولو في غرس من صوف يقع على الأرض تأخذه وترجعه إلى القرداش من جديد. ويعزّز ذلك ما تعبّر عنه بعض الجدات إذ تقول: "ليس هناك شيء تنتهي صلاحيّته، أو تافه لنضيّعه، فكلّ شيء بإمكاننا أن نستغلّه إمّا إلى المغزل ليعاد مشطه مرّة أخرى، أو إلى المعز ليدرّ حليبًا أكثر، أو إلى أيّ شيء يمكن أن ينتفع به...".
ربما تعكس هذه الملاحظة خاصيّة أساسيّة للمجتمع والعائلات هو الميل إلى الادخار وحفظ المؤونة، والعيش باستهلاك شخصي ضئيل، لذلك فإنّنا نجد جانبا كبيرا من اتفاقات المجلس الأعلى في واد مزاب تعتني بتقنين وضبط استهلاك العائلات في المناسبات والأعراس، بل "وتعدّ من المخالفات التي تضبطها نساء الهيئة الدّينيّة (الغسّالات)، أيّ امرأة تستضيف صديقاتها لشرب الشّاي"، كما يؤثر عن امرأة ابتكرت نوعا من الزّرابي والذي يصنع بقصّ الصوف بعد نسجها (بربوشة) فتبرّأت الغسالات منها، لأنّها تفسد الصّوف وتضيّعها.
وَغَ نَّعَرْ دَ زْمَانْ مَّغْ دَازْغُوغْ..!
يسرد الباحث في التراث المزابي عبد الوهاب فخار في كتابه (تايدَرْت نْ وَغلان) (سنبلة مزاب)، قصة تُؤثر في القديم عن امرأة فقيرة كانت تخرج كلّ يوم لتعمل عند أناس من أجل تحصيل لقمة عيشها، عندما خرجت كعادتها في وقت السحر للعمل، إلا أنّ شبحا مخيفا (أَزْغُوغْ) وقف في طريقها، فخافت المسكينة ولم تعرف ماذا ستفعل؟، فبدأت تفكّر؛ إذا تقدّمت فإنّ الاقتراب من هذا الشّبح يخيفها، وإذا تأخرت إلى الوراء وهربت منه، فإنها ستموت جوعا وتبقى من دون عمل، فالزّمن صعب (اَزْمَانْ يُعَرْ)... من شدّة الفزع صرخت المرأة مع نفسها: "وغَ نَعر دَ زّمان مَّغ دازْغوغ" "أيهما أصعب الزّمن أم الشّبح"، حينها فقط سمعها الشّبح فأجابها: "إنّه الزّمن، إنّه الزّمن"، عندها حملت أشياءها بسرعة وواصلت طريقها إلى عملها، إلى أن تركت ذلك الشّبح من ورائها.
هذه القصّة الرّمزيّة التي ترويها النّساء، تتحول بالتكرار إلى وثيقة اجتماعية وتاريخية وإثنوغرافية ترصد لنا معالم الحياة الاجتماعية التي كانت تعرفها المرأة قديمًا، والقيم التي تطبع سلوكاتها، فتداولها مثلا يكثر في الحديث عن الاقتصاد والعمل والإنتاج، كما لترويض المرأة أيضا في المسارعة في أعمالها، كما سارعت المرأة في القصّة هروبا من قساوة الزّمن، و تصوير الزّمن بأنه لا يرحم. وكذلك تتداول أمثال أخرى كثيرة تنتجها هذه القصّة الرّمزيّة أو غيرها منها مثلا: "وغَ نَعر دَ زّمان مَّغ دازْغوغ"، وفي الاقتصاد ونبذ الإسراف "وِي عاوْنَن أززمان دا حبيب نربّ" "من يعين نفسه على الزّمان فهو حبيب لله"، وفي مثل آخر "بتّ قاع أولتعاونمت أززمان، أجّمت أززمان". كما أن منها أيضا مثل أثر عن إحدى الجدات تقول فيه: "بتّ ونصدّر أنْحرّر"؛ أي "إذا لم نصنع وننتج لينتفع غيرنا (ممن هم خارج العائلة)، فإنّ علينا أن ننتج ما يكفينا".
ما سر التقشف في حياة المزابيين؟
كلّ القيم التي سبق ذكرها منبعها اجتماعي ويعاد إنتاجها اجتماعيا، حيث تُنشّئ المرأة عليها أبناءها، انطلاقا من سلوكها وممارساتها، في حبّ العمل وتقديسه، والحرص على الاقتصاد ونبذ الإسراف. وهذا الاقتصاد لا يجب إساءة فهمه على أنّه بخل لأنّ العائلة المزابيّة تعرف كيف تكون مضيافة كريمة، في الأوقات المطلوبة لذلك، و إنّما هي خاصيّة نمط عيش مبني على الاكتفاء الذاتي.
إنّ هذا التّقشّف الذي يعتمده الفرد المزابي كمبدأ وقيمة أساسيّة تتّسم بها ممارسته الحياتية، يحكمه سببان رئيسيان أولهما الظروف الصّعبة حتّى يتمكّن الأفراد من العيش لأطول مدّة ممكنة، ولمواجهة شظف العيش، و الثاني التّقسيم المتوازن الأكثر إمكانا للعيش بين جميع أعضاء العائلة الذين يكونون أحيانا كثيري العدد ويحيون على مصدر بسيط للعيش.
لذلك يبدو أنّ الاحتياط الاقتصادي صفة أساسيّة لهذا المجتمع. وكذا لمفهوم "البركة" أو ما يسمى باللغة المزابية "تَانَمِّيرْتْ" حضور كبير في تعاملاتهم وأقوالهم، يعكس ذلك العيش الممتدّ طويلا على مخزون ضعيف، يفيض الله عليه البركة ليصبح كافيا وملائما لتلبية احتياجات الأسرة، فعندما تنزل البركة على العولة فإنها تدوم لمدّة أطول ولا تنقص أبدا وكلّ هذا يفسّر بتوجّه روحي في استحضار مفهوم الرّزق الحلال.
-بتصرف-
المصدر: دراسة جامعية "مقاربة سوسيولوجية للأدوار التقليدية للمرأة المزابيّة.." الباحثة ع.ن ص 109-113. جامعة غرداية.
شاركنا بتعليقك