إن الترويح أمر مشروع، لأن النفس البشرية جُبلت على حب الراحة بعد عناء العمل ومشقته، والإسلام دين يراعي الفطرة الإنسانية. وغير خافٍ أن النفس البشرية متعددة الطبائع، متنوعة السلوك، مختلفة السجايا فهي في بعض الأحايين تحب الجد والحزم، وفي فترات أخرى تميل إلى الدعة واللطافة، كما أنها في بعض الفترات تراها فرحة جَذِلة، وفي ساعات أخرى تراها غضبى أسِفَة، فهي بين خطين مختلفين، ودائرة بين مزاجين متضادين.
ومن هنا فإن الإسلام جاء ملبيًا لحاجات النفس المتعددة، ومراعيًا لمتطلباتها المختلفة، فشرع ألوان الترفيه والترويح التي من شأنها نفي السآمة وطرد الملل عن النفس وفق ضوابط شرعية.
ماذا نقصد بالترويح عن النفس؟
الترويح هو النشاط الذي يريح من عناء العمل، وغالبًا ما ينتج عن تغيير وتسلية، وفيه إحياء للقدرة على العمل. وقيل هو نشاط تلقائي مقصود لذاته وليس للكسب المادي، ويمارس في وقت الفراغ لتنمية ملكات الفرد رياضيًّا واجتماعيًّا وذهنيًّا. وقيل هو نشاط هادف وممتع لإنسان، ويمارسه اختياريًّا وبرغبة ذاتية وبوسائل وأشكال عديدة مباحة شرعًا، ويتم غالبًا في أوقات الفراغ.
ويمكننا أن نكيِّف مفهوم الترويح بين العبادات على ضوء التعريفات السابقة، أنه النشاط الهادف الذي يمارسه الإنسان وفق الضوابط الشرعية ليتقوى بها على العبادة.
الإسلام جاء ملبيًا لحاجات النفس المتعددة، ومراعيًا لمتطلباتها المختلفة، فشرع ألوان الترفيه والترويح التي من شأنها نفي السآمة وطرد الملل عن النفس وفق ضوابط شرعية.
ألمح القرآن الكريم إلى أهمية الترويح عمومًا -سواء كان الترويح بين العبادات أم غيرها من الأعمال- في عدة مواضع منها قول الله عزو جل: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ القصص، الآية: 77؛ وجاء في تفسير ابن كثير: أي افعل الخير فيها من أصناف الواجب والمندوب، وتزود من الآخرة، ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ﴾، أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرِك عليك حقًّا، فآت كل ذي حق حقه.
الترويح وأثره في تقويم العبادة:
من المعلوم أن المؤمن إذا مارس العبادة وأدَّاها قد ينتابه بعض من الجَهد، فإذا روَّح على نفسه بالترفيه المباح، رجع إلى فعل الطاعات بنفسٍ نشطة وصدرٍ رحب وعَزْمٍ قوي.. لذا فلا بد من مراعاة الترويح المباح بين كل عبادة حتى يكون فاعلاً في النفس نحو الاستمرارية في العبادات.
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة ".
ولأهمية الترويح بيّن العلماء بعض النماذج التي تتروَّح بها النفس، يقول ابن جماعة: " ولا بأس أن يريح نفسه… بتنـزّه وتفرج في المستنـزهات، بحيث يعود إلى حاله ولا يضيِّع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به، فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن ".
الضوابط المعينة على الترويح:
من الأسباب والتطبيقات المعينة على الترويح المباح:
1. مراعاة أوقات الترويح المباح: وهي ألاّ يكون الترويح في الوقت المخصص لحقوق الله تعالى أو حقوق الناس، وكذلك لا ترويح في أوقات العمل الرسمي، إذ فيه اعتداء على حقوق الناس.
وعدم الإفراط في تخصيص معظم الأوقات المباحة للترويح، فالاعتدال والتوسط سمة أساسية في هذا الدين.
إن التوازن الدقيق في تحقيق العبودية لله عز وجل بين فعل الطاعات والترويح، يحقق الشمولية والوسطية في أداء العبادات، وبذلك تثمر عبودية كاملة للخالق، بحيث لا يطغى جانب على آخر.
2. مراعاة أمكنة الترويح وأخلاقياته؛ وهي كالآتي:
أ. اختيار المكان المناسب للترويح حسب نوع الترويح، فما يصلح في الساحات العامة قد لا يصلح في المنـزل، والعكس صحيح.
ب. عدم إلحاق الأذى بذات المكان أو منشآته، فأمكنة الترويح حق مشترك بين جميع الناس.
جـ. عدم مضايقة المقيمين أو العابرين بمكان الترويح، وهذا ينطبق على الخلاء والساحات العامة.
3. مراعاة النشاط الترويحي المباح: وهو الذي لا يصاحبه شيء من المحرمات.
4. استحضار النية الحسنة: وذلك بأن يقصد المسلم بالترويح التقوِّي على العبادة واستعادة النشاط، حتى يكون ترفيهه وترويحه لا يخرج عن إطار العبادات، فإنه مطلوب أن تكون حياته كلها في عبادة لله تعالى، قال بعض السلف: " إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب ".
جملة القول:
إن التوازن الدقيق في تحقيق العبودية لله عز وجل بين فعل الطاعات والترويح، يحقق الشمولية والوسطية في أداء العبادات، وبذلك تثمر عبودية كاملة للخالق، بحيث لا يطغى جانب على آخر.. فالعبودية ليست مشاعر تعبدية فحسب، بل العبودية شاملة لحياة الإنسان كلها، فإذا أدى عبادة باقتصاد واستمر عليها، أمكنه ذلك أن يأتي ببقية الواجبات المفروضة عليه، ثم إن الترويح بين العبادات يجعلها ميسَّرة مقبولة لدى النفس البشرية، فلا مشقة ولا نصب فيها، وفي المقابل لا إفراط في سهولتها بالدرجة التي تجعل النفس تتهاون في أمرها، وتهمل القيام بحقها.
وبذلك يتبين خطأ غلو بعض العُبَّاد الذين لا يرون في الحياة إلا الجد المُرهِق والعمل المتواصل، دون النظر إلى شؤون الدنيا من التكسب للمعيشة وترويح النفس بالحلال، فيضيِّعون من يعولون، ويُفِّوتون حق أنفسهم، ولربما لا يستمرون على ذلك، لأن النفس جبلت على طلب الراحة والميل إلى الترويح.
-بتصرف-
المصدر: مجلة حراء
شاركنا بتعليقك