إن الشريعة الإسلامية قد ساقت من المبادئ السامية والآداب العالية والهدايات الرفيعة، ما ينظم الخلافات والمحاورات والمناظرات التي قد تحدث بين الناس، وما يجعلها في إطار من المنطق السليم، والفكر القويم والجدال بالتي هي أحسن، وما يجعل هدفها الوصول إلى الحق والخير ومنفعة الناس في حدود ما أحله الله تعالى لهم.
وفيما يأتي جملة من المبادئ التي جاءت بها شريعة الإسلام لضبط المناقشات التي تدور بين الناس أو بين الطرفين:
1. أن يكون الحوار بينهم قائما على الصدق وتحري الحقيقة، بعيدا عن الكذب والسفسطة والاوهام.. ومثال ذلك المحاورة التي دارت بين سيدنا موسى عليه السلام وبين فرعون، ومن التوجيهات السامية التي زود الله تعالى بها موسى وأخاه هارون قوله تعالى: ﴿اَذْهَبَ اَنتَ وَأَخُوكَ بِئَايَتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِيَ ♦ اَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ♦ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّـيِّـنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ طه: 44، وبعد الانتهاء من محاورة موسى لفرعون يتجلى أهمية الحوار الذي منطلقه الحق والعدل ومكارم الأخلاق، وهو حوار بناء يكون لحمته وسداه الصدق في القول، والعفاف في السلوك.
2. حتى تتضح الحقيقة ويتوصل المتحاور إلى نتيجة مرضية؛ لابد من التزام الموضوعية، ونعني بها عدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النقاش.
3. التواضع، وتجنب الغرور، والتزام الأسلوب المهذب الخالي من كل ما لا يليق، مثال ذلك سيدنا سليمان عليه السلام الذي أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، حين تفقد جنوده فلا يرى الهدهد بينهم، فيتوعده، ويأتي الهدهد بعد ذلك فيقول لسليمان بكل شجاعة أحطت بما لم تحط به، ويقبل سليمان بكل تواضع حجة الهدهد، ويكلفه بعد ذلك بحمل الرسالة.. وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة لا يهان فيها الصغير، ولا يظلم فيها الكبير، وان التحاور بين العقلاء يقوم على التواضع وإعطاء كل ذي حق حقه دون تكبر أو غرور، وإذا كان على أسلوب مهذب خالي من كل ما لا يليق قوله، كانت نتائجه طيبة وآثاره حميدة.
4. إفساح المجال أمام المناقش لكي يعبر عن وجهة نظره، دون مصادرة لقوله، أو إساءة إلى شخصه.
نموذج حواري في القرآن الكريم
هذا سيدنا إبراهيم عليه السلام ينطلق من مبدأ الرسالة في حواره مع أبيه، فهو حريص على أن يكون منطلق العاطفة ومرتكزها منسجماً مع الرسالة ومبادئها، فالأب وإن كان كافراً إلا أنه لا بد من الإبقاء على شيء من الاحترام والتقدير في حواره، وهذا ما كان يفعله إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وقيمة هذا من الناحية النفسية تبرز من كون هذا الإبقاء يحافظ على جو الحوار مشحوناً بالعاطفة، ولعل هذا يبرز في المقطع الآتي: ﴿وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيئاً ♦ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَآأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ مريم: 41،42، فهذا المقطع - كما هو ملاحظ- مشحون بجو العاطفة، فقد ذكرت لفظة (يَا أَبَتِ) في هذا المقطع على لسان إبراهيم عليه السلام عدة مرات لتبقي على الجو جانب العاطفة والحرص على أبيه ولو كان كافراً، فهذه اللفظة تشعر أنه يخاطب إنساناً عزيزاً عليه، كما نلمس في المقطع حرص سيدنا إبراهيم عليه السلام على جانب التأثير النفسي ليكون ضاغطاً على أبيه، وذلك أنه يستخدم أسلوب تلمس الدعاء له فيكون ضاغطاً نفسياً على أبيه لينشغل بهذا الدعاء وما يحمله من معان، وهكذا نجد أن الأنبياء جميعاً التزموا بمبدأ الرسالة محوراً ومرتكزاً، يحركهم في حوارهم مع أقوامهم، وفي هذا المبدأ ملحظ نفسي آخر غير الذي تقدم يمكن أن نشير إليه، ذلكم هو: ضرورة الإبقاء والحرص على أن تكون الشخصية واحدة ثابتة لا تنفصم، والبعد بها عن الازدواجية "فازدواجية الشخصية أمر خطير ومن شأنه إن وجد في صاحب المبدأ والرسالة أن يكون صارفاً للآخرين عن التمسك بالرسالة ومبادئها.
-بتصرف-
المصادر:
- كتاب: أدب الحوار في الإسلام، محمد سيد طنطاوي، 1997، نهضة مصر، ص 16 - 36.
- دراسة: أسلوب الحوار في القرآن الكريم (خصائصه الإعجازية وأسراره النفسية)، عبد الله الجيوسي، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت، العدد (2)، 1427ه / 2006م.
شاركنا بتعليقك