إسهامات

ذكرنا أن عملية جمع العراجين من الواحة تقوم بها فرق خاصة مقابل جزء من محصول التمر، لكن لما تطورت هياكل العشائر وتبلور نشاطها. وهي -كما نعلم- بمثابة الدعامة والسند للمسجد، فكرت هيئة العزابة في إسناد هذه المهمة إلى العشائر، فاستفاد المسجد بتوفير ذلك الجزء الذي كان يوزع على العمال مقابل عنائهم. فوزعت "الكتب" الثلاثة على مختلف العشائر حسب حجمها وعدد أفرادها، فتحدد أياما معلومة لكل عشيرة من عشائر البلدة، فتجمع التمور في مدة قياسية وبكلفة معدومة.

وفي تلك التظاهرة تتجسد التضحية والتضامن والعمل في سبيل الله، وخدمة المسجد والوقف، فيتسابق الجميع، ويتنافس الصغير والكبير في إنجاز تلك المهمة النبيلة. وتقوم هيئات العشائر بتنظيم العملية: مجموعة مخصصة للصعود إلى النخيل بمناجلها، ومجموعة في استقبال العراجين في أفرشة مخصصة، ومجموعة في جمع التمر المتساقط، ومجموعة تسخر وسائلها الخاصة من سيارات ودواب في نقل التمر إلى المسجد، لتستقبله مجموعة مكلفة بتكديس التمر في صحن المسجد، ويلتقي الجميع بعد انتهاء العمل وكلهم حيوية ونشاط في وجبة غذاء تقيمها العشيرة أو يتبرع بها أحد المحسنين.

وبعد الانتهاء الكلي من جمع التمر بكل أنواعه وأصنافه، كل على حده، بعد أن كانت تجمع كل الأنواع وتخلط، فتخصص أيامًا لعملية الفرز والتنقية التي تقوم بها النساء تطوعا، فيشاركن مع الرجال في خدمة الوقف لينلن نصيبهن من الأجر والمثوبة عند الله.

وفي النهاية توضع التمر في الجوابي، غير أنه لم يعد التمييز بين الوظائف المذكورة، فتملأ الجوابي الواحدة بعد الأخرى، أما النوع المخصص للبيع فيجمع في أكياس ويرسل إلى السوق، ويغطي ثمنه جزءا هاما من نفقات تسيير شؤون المسجد: كأجور العمال، وتسديد فواتير الكهرباء والماء.

وبقي الأمر على هذا النحو، فأصبح الكل يتمنى حلول فصل جني التمر ليشارك في هذه التظاهرة مع أعضاء عشيرته، وكذا النساء، إلى أن جاء قانون الثورة الزراعية المشؤوم سنة 1971م، فأُممت جميع أملاك المسجد شأنها شأن الأوقاف الأخرى والتي أدخلت في صندوق الثورة الزراعية، فحرمت المسجد من هذا المورد الهام، وحرم أهل البلدة من تلك التضحية وذلك التضامن. إلا أن أجر الواقفين بقي ثابتا عند الله تعالى وأن المسجد لم يبق بلا تمر، بل سارع المحسنون إلى مده بما يكفي لتوزيعها على مدار السنة.

وقد انعكست الوضعية سوءا على بساتين المسجد، كما هو حال كل الأراضي المؤممة التي أهملت بانعدام الرعاية والسقي والصيانة، فأمست في حال يرثى لها.

وبعد إلغاء قانون الثورة الزراعية سنة 1987م استعاد المسجد أملاكها بعد أن ضاع الكثير من النخيل ومات للأسباب المذكورة، فباعته لمن يقوم بإصلاحه من جديد وإعادة الحياة إليه، واشترى بثمنها بساتين أخرى.

وقد استحدث نوع آخر من الصدقات وهو الخبز الذي يوزع على عمار المسجد يوميا قبل صلاة الصبح، وليالي الجمع، والختمات، وفي المناسبات الدينية كرمضان. بعدما أصبح الخبز ينافس التمر في صدارة المواد الغذائية، وتزحزحت مكانة التمر كغذاء رئيسي. وأصبح بإمكان العائلة المتوسطة العدد أن تستغني عن شراء الخبز يوما إذا كان أفرادها من عمار المسجد في هذه الأوقات.

وهذه الصدقات تكلف صندوق المسجد أموالا طائلة، ترد إليها من أموال المحسنين والكرماء. وقد كان لتأميم وقف المسجد أثرا في تحويل الصدقات من التمر إلى الخبز، إلى جانب العوامل الأخرى.

للاستزادة طالع المقال: أوقاف التمور ببلدة القرارة قديما

-بتصرف-

المصدر: مقال بعنوان "من تراثنا الحضاري، الأوقاف الخيرية لمسجد القرارة"، محمد بن صالح حمدي، مجلة الحياة العدد 03، الصفحة 122-124.

شاركنا بتعليقك