إسهامات

.. لقد تحمس بعض الجزائريين، وأخذتهم الغيرة على الهوية الجزائرية المستهدفة باستهداف الإسلام ولغة القرآن، فأسسوا أول مدرسة قرآنية عصرية حرة في تبسة سنة 1913م. لقد كان أحد رواد هذا المشروع هو الشيخ عباس بن حمانة الذي ترأس جمعية خيرية باسم (الجمعية الصديقية الخيرية للتربية الإسلامية والتعليم العربي والإصلاح الاجتماعي) وتولى أمانة المال الشيخ الحاج عمر العنق، وكان أخوه الشيخ الحاج بكير العنق أحد أعضائها النشطين. ويصف المؤرخ محمد علي دبوز المدرسة الصديقية هذه، نقلا عن أحد مؤسسيها الشيخ الحاج بكير العنق، وأحد تلامذتها السيد الصديق السعدي، ونقلا كذلك عن صحيفة (الصديق)، بأنها: كانت تحتوي على مكتبة وصيدلية ومطبخ، وبكونها ذات أربعة طوابق تبرع بها للجمعية السيد الحاج بكير بن عمر المرموري. وأما عن منهاجها التعليمي فكان حديثا يشمل مواد القرآن والتربية الإسلامية والأخلاق والتاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الجزائر وكذا الجغرافيا والمواد الرياضية إلى جانب الرياضة البدنية واللغة الفرنسية. وينص برنامج المدرسة على ثماني سنوات مدة للدراسة. ومن حق التلاميذ القادمين من بعيد - في نظام هذه المدرسة - الاستفادة من إقامة داخلية على أن يدفع التلميذ مبلغا ماليا بسيطا. ولكن سرعان ما تراجعت السلطات الفرنسية عن إرخائها الحبل فشدت الخناق من جديد، فأصدرت الأمر بغلق المدرسة بعد ستة أشهر من فتحها، وحل الجمعية الخيرية صاحبة المبادرة، ونفت المعلمين وشردت التلاميذ وسجنت رئيس الجمعية، ثم أمرت بتصفيته بعد إطلاق سراحه بضربة فأس على أم رأسه. ويَعتبِر مالك بن نبي الذي نشأ في تبسة أن عباس بن حمانة هو أول جزائري عمل على بعث اللغة العربية في البلاد. وقد لقي بن حمانة دعمًا قويا لمشروعه من تجار مدينة تبسة المزابيين.

وفي الغرب الجزائري كانت أول مدرسة فتحت صدرها لاستقبال الشيخ عبد الحميد بن باديس في عمالة وهران -حين كانت "الطرقية" مسيطرة على القسم الأكبر من العمالة- هي مدرسة الإصلاح بغليزان، وكان يشرف عليها حينئذ الشيخ باباعمي الحاج أحمد بن الحاج موسى رحمه الله، فكان الشيخ عبد الحميد يزورها كل سنة عند مروره إلى تلمسان، وهذا فضلا عن انشائهم للمدارس الاصلاحية في مزاب، وفي كامل القطر الجزائري أينما وجدوا، وتنظيمهم للبعثات العلمية إلى تونس، مما أصبح نموذجا حيا للبعثات العلمية التي جاءت من الجزائر بعدهم.

-بتصرف-

المصدر: كتاب الشيخ القرادي وآثاره الفكرية، عبد الوهاب بكلي، ص157، 158.

شاركنا بتعليقك