قد يحدث أن تُعصى أوامر العزابة أو يتكالب المفسدون على السلطة ويتجاوزوا حدودهم، حينها يضطر العزابة إلى إصدار قرار جريء يتمثل في غلق المسجد وتعطيل المهام وهو ما يسمى عندنا بـ" أَصْلَاحْ نْ تْمَجِّيدَا".
الصورة الأولى تمرد العامة على العزابة:
قد يتكتل العوام صفا واحدا –خاصة في فترات الضعف- ويتكالبون على هيئة العزابة، فما هي قوة اثني عشر رجلا أمام رعية كاملة. ولا يحصل هذا إلا في فترات ضعف العزابة؟
فإذا وقع مثل هذا الإصرار فإن العزابة يلازمون المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المألوفة، ويمتنعون من دخول الأسواق والبلد حتى يستجيب الناس لحكمهم. فلا آذان ولا إقامة ولا صلاة جماعة، ويمتنعون أيضا من دول الأسواق ومزاولة مهامهم الأساسية المتمثلة في مراقبة الذبح وفتح الأسواق وغيرها، فيحدث نوع من الإضراب العام. وفي هذا الموقف تفزع العامة وترتجف، وتوفد إليهم وفدا طالبة إليهم العفو، وتعرف هذه الصورة بإغلاق المسجد، ولا تكون إلا نادرا، أو في أمور خطيرة.
الصورة الثانية ظلم العامة لمسلم ولم يوجد من ينصف له:
هناك حالات نادرا ما تقع فهي معدودة تقريبا في تاريخ الإباضية يعبر عنها بإغلاق المسجد من طرف أحد العوام، تتمثل صورتها في تعطيل الآذان، وتأدية الصلاة جماعة في المسجد. وهذا بسبب هضم حق من الحقوق أو في أمور خطيرة، ولا يطول هذا التعطيل، وإنما هو ضغط للتعجيل بإنصاف حق مهضوم، وسرعان ما ترجع المياه إلى مجاريها لئلا تتعطل إقامة الصلاة جماعة في المسجد من طرف هيئة العزابة، فيتحصل صاحب الحق على حقه، وتحل مشكلته بكل سهولة من غير وكيل ولا محام مهما كان ضعفه وقصوره عن الدفاع.
وتتم صورة ذلك كما يلي: عندما يشعر الإنسان بظلم أو غبن أو يعيش مشكلة عويصة لا يملك من يصنف له من حقه کأرملة، أو ضعيف لا يقوى على شيء، وليس له من ينصف له منه في حقه، يأتي المظلوم إلى المسجد قبل أداء صلاة الجماعة فيرفع صوته منادیا العزابة بقوله: أيها المسلمون! لا أسمح لكم صليتم، أو زکیتم. أو صمتم، إلا بعد أن تأخذوا حقي من فلان بن فلان. سرعان ما يستجيب العزابة للمظلوم فيطمئنونه بمناداة الظالم إن كان بين الحاضرين فيناقشون معه قضية المظلوم، فإن أنصف ورد المظلمة فذاك، وتمت الأمور في حينها، وإن كانت القضية تتطلب وقتا وتحقيقا وتحريا أقنعوا المظلوم بتبني قضيته وإنصافه فيكوِّنون لجنة في الحين تتولى القضية فيقيمون الصلاة جماعة، وإن لم ينصف المعتدي تبرأوا منه وأعلنوا باسمه في حكم البراءة. وإذا لم يكن الظالم بين الحاضرین بحثوا عن وليه، أو أحد أعيان عشيرته لينتصفوا للمظلوم حالا فإن أنصف وأدى الحقوق إلى ذويه فذاك، وإن تمادی وتمرد أعلن العزابة البراءة منه في المسجد، ولا يعفون عنه حتی يوفّي بحق المظلوم ويتوب في المسجد أمام الملأ.
وليس المقصود بإغلاق المسجد إحكام أبوابه وإنما تعطيل صلاة الجماعة ما دام هناك مظلوم، إذ كيف يمكن للمسلمين أن يقوموا بأداء هذا الركن جماعة كمسلمين وأخ لهم في الله مهضوم الحق، فيضطرون إلى رفع الغبن عنه حينا وإلا أصبحوا بسكوتهم عن المنكر شركاء له من باب "من رأى منكرا فلم يغيره كان شريكا له". يبدو أن موقف العزابة من تعطيل صلاة الجماعة كاملة، فيه تعطیل إقامة الفرض الكفائي، ومن المعلوم أن عدم إقامة الفرض الكفائي فيه هلاك الجميع، لكن هذا التعطيل لا يستمر حسب ما بلغ إليه علمنا، وإنما يؤخر أدائه عن بداية الوقت، يعتبر هذا الإجراء بمثابة ضغط يمارسه العزابة لإنصاف المظلوم، وإحراج الظالم حتى لا يماطل أو يتهاون، فيقيمون الحجة عليه كي يذعن حينا، يتبرأون منه حالا، فیؤدي العزابة الصلاة جماعة في وقتها حسب ما نصت عليه الشريعة الإسلامية.
-بتصرف-
المصادر: - كتاب نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بواد مزاب، اسماوي صالح بن عمر، ص 138، 139.
- كتاب نظام العزابة عند الإباضية الوهبية، فرحات الجعبيري، ص 112.
- كتاب الجزائر، أحمد توفيق المدني، ص 113.
شاركنا بتعليقك