إسهامات

ماذا كان جهد إبليس بعد أن طرد من السماء، كان جهده أن يغري أبناء آدم بالجحود، ونسيان ما أولاهم الله من نعم.

كان جهده أن يشغلهم بفنون من الغفلة تزين لهم أن يأكلوا من رزق الله، ولا يحمدوه، وأن يفتحوا عيونهم على آيات العظمة، ولا يمجدوه.

إن الدواب إذا وجدت أقواتها التهمتها، ما تعي شيئا غير هذا، وإذا فقدتها أحست لذغ الجوع، ما تعي شيئا غير هذا، وإذا استمتعت بالعافية جرت ووثبت، وإذا قيدها المرض استكانت وهمدت، ما تعي شيئا غير هذا. إنها لا تعرف صبرا على بأساء، ولا شكرا على نعماء.

وكذلك آلى إبليس على نفسه يوم أخرج من الجنة فقال: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ الأعراف: 16-17.

وأسوأ ما يكون الجحود عندما يكون جماعيا تنحدر إليه أمة بأسرها، فترى كأن هناك تواصيا على ألا يذكر الله، بخير بل ترى كأن هناك اتفاقا مكتوبا أو غير مكتوب على أن تلتهم أفضال الله، وتنسب ذلك إلى أي شيء ما عداه وهل هلكت عاد، وهلكت ثمود، إلا بهذا الخلق الدنيء.

قيل لعاد: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الأعراف: 69.

وقيل لثمود: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ الأعراف: 74.

لكن هؤلاء و أولئك لم يستشعروا فيض النعيم الذي سأل في أرجاء بلادهم فحرموا ما جحدوا، وسلبوا ما غمطوا، وحقت عليهم كلمة العذاب.

وقد أهاب الله بخلقه ألا يردوا هذه الموارد الوبيئة فقال: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِالبقرة: 152.

ومع ذلك، فما أقل الذين يعترفون بالفضل، ويشعرون بالجميل: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ سبأ: 13.

وإنه ليسرنا أن نثبت هنا باقة من النصوص والآثار الحافزة على الشكر، المشيعة لعواطفه في الأفئدة فعن رسول الله ﷺ أنه قال: " أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا و الآخرة : قلبا شاكرا، و لسانا ذاكرا، و بدنا صابرا، و زوجة لا تبغيه حوبا في نفسها و لا في ماله "، وذكر أيضا: " ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها ".

و ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله، فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له.

وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، و يشرب الشربة فيحمده عليها ".

فكأن هذا الجزء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ التوبة: 72 كان في مقابلة نعمته بالحمد.

المصدر: كتاب الجانب العاطفي من الإسلام. الإمام محمد الغزالي ص211-213.

شاركنا بتعليقك