إسهامات

حجم استغلال الوقت، والاستفادة منه؛ من أهم العلامات الفارقة بين الأمم المتقدمة والأمم المتخلفة، وبين الأشخاص الناجحين والأشخاص العاديين، ويمكن للمرء أن يقول -وهو مطمئن-: إنه ليس هناك ناجحون في الحياة على نحو ظاهر، لا يهتمون بأوقاتهم. وكيف يمكن للمرء أن ينجح إذا كان لا يستغل أهم مورد يمكن الاستفادة منه في تحقيق النجاح؟.

أقسم الله -جلّ وعلا- بالليل والنهار والضحى والعصر والفجر ... تذكيراً للناس بنعمة الزمن وتبيانا لقيمته العظيمة. وفي الحديث الصحيح: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

الإحساس بالمسافات الزمانية والمكانية، أحد المنتجات الحضارية، لذا فإن أمة الإسلام في أيام إقبالها وازدهارها، ضربت أروع الأمثلة في المحافظة على الوقت والعناية به، وحسن الاستفادة منه.

يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمت على شيء مثل ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي". وقال الخليفة الصالح عمر بن العزيز: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما". وما أجمل اعتبار الحسن البصري (الإنسان) مساويا لأيام عمره حين قال: "يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك"، وكان يقول: "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم".

لو تساءلنا: ما الشيء الأطول والأقصر في وقت واحد، والأسرع والأبطأ معا، والذي نهمله جميعا، ثم نأسف عليه، ولا شيء يمكن أن يتم بدونه، والذي يبتلع كل ما هو صغير، أو ينمي كل ما هو عظيم؟ لكان الجواب: إنه الوقت.

المشكلة الكبرى أن الوقت لا يدار، فهو سلسلة من المقاييس التي تسجل بقاء دوران الأرض حول محورها، وتسجل فصولها المتعاقبة ... فتقدمه ثابت؛ ولذا قالوا قديمًا: "الوقت لا ينتظر أحداً".

أما الشيء الذي يمكن أن يدار فهو استغلالنا للوقت؛ ولذا فنحن في الحقيقة ندير أنفسنا وطاقاتنا لا أوقاتنا.

إن الطريقة التي نقضي لها أوقاتنا، هي نتيجة للطريقة التي ننظر بها إلى أوقاتنا، والطريقة التي ننظر بها إلى أوقاتنا مرتبطة بأشياء عديدة، منها تربيتنا، ووعينا بالتحديات المعاصرة، وأهدافنا في هذه الحياة، وسيطرتنا على رغائبنا، وصلابة إراداتنا، ورؤيتنا للأولويات.

المصدر: كتاب العيش في الزمان الصعب، عبد الكريم بكار، صفحة 102، 103.

شاركنا بتعليقك