إسهامات

فسر الشيخ يوسف القرضاوي هذه الآية قائلا: هاته الآية الكريمة ذكرها الله تعالى في الوصايا الحكيمة التي وصّى بها عباده في الآية 36 من سورة الإسراء: )وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.

في هذه الآية، يعمل القرآن على تربية العقلية العلمية في المسلم، فهناك نوعان من العقليات:

1. عقلية خرافية، تصدق الأوهام، وتجرى وراء الأباطيل، وتسمع كل ما يقال لها، وتتبع كل ناعق، وهذه عقلية يرفضها الإسلام.

2. والعقلية الأخرى وهي التي يريدها الإسلام العقلية التي تتبع الدليل وتخضع للمنطق في العقليات، وتمشي وراء الملاحظة والتجربة في الماديات وتستعمل الأدوات التي وهبها الله إياها: السمع والبصر والفؤاد.. فهذه أدوات المعرفة كما قال تعالى: ﴿وَالله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النحل: 78.

 فمن هنا يجب أن يستعمل الإنسان سمعه، فبه تنتقل المعلومات من الناس بعضهم إلى بعض بطريق الرواية. والبصر، وبه تكون الملاحظة والتجربة، وعليهما قام صرح العلوم الكونية، والفؤاد -أي العقل- به يستعمل الإنسان المنطق، ويستنتج النتائج من المقدمات.

وهذه الأدوات، هي النوافذ التي يطل منها الإنسان على أمور هذه الحياة، والكون، والشرع، وعلى خلق الله تعالى، وعلى نهيه وأمره؛ فلا يجوز إذن أن يعطلها ويهملها، ويتبع الظنون والأوهام أو يتبع الإشاعات والأباطيل.

ولهذا جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل هذا التذييل والتعقيب: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ، ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، وفرّق ما بين المؤمنين المهتدين، وبين الكافرين الضالين، إن الآخرين عطلوا أدوات المعرفة والهداية التي منحوها، فلم تعد تقوم بوظيفتها: ﴿هُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الأعراف: 179.

لهذا حذرت الآية من إهمال هذه القوى، فقال تعالى مخاطبًا الإنسان: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا تتبع ما ليس لك به علم، فتجرى وراء الظنون، أو وراء الأوهام والخرافات.. استعمل سمعك وبصرك وفؤادك. فإن الله سائلك عن هذه الأدوات ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا وهذا معنى الآية بإجمال.

ومنه فإنه على الفرد المسلم أن يتفقه في أمور دينه مما لا يسعه جهله وكذلك أن يتعلم أمور دينه مما يوسع مداركه وينور بصيرته وينفعه دنيا وأخرى فكما تقول الحكمة من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.

ومن جهة أخرى وجب على المسلم أن يتثبت ويتأكد من كل خبر يسمعه قبل ان يتقبله ويصبح أمرا مسلما لديه، وهذا مما علمته لنا حادثة الإفك في السيرة النبوية، وكذلك مما أوصى الله به عباده في الآية 6 من سورة الحجرات حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.

-بتصرف-

المصدر: موقع سماحة الشيخ يوسف القرضاوي.

شاركنا بتعليقك