إسهامات

الإسلام علّم الناس ألا يرفعوا أصواتهم، وأن يغضوا من أبصارهم، وألا يلِجُوا البيوت دون استئذان، وأن يتفسحوا في المجالس، كما علَّمهم الرفق والصفح والإيثار، وفي الصلاة -والتي هي موقف روحي خالص- يتعلم المسلمون الدقة والنظام والالتزام بحركات الإمام.. وقد آتى ذلك أكله أشكالا وألوانا؛ وتجلى ذلك في التطور الذي دخل على النُظِم التربوية والسياسية والاقتصادية التي كانت سائدة في الجاهلية، وذلك التطور كان يقوم على تحول داخلي يتمثل في أخلاق الناس وطرق تفكيرهم. ومع هذا لا بد أن نكون على حذر، فالتعليمات والمبادئ الإسلامية، لا تعمل في تهذيب من آمن بها دون رعاية تربوية منظمة، ودون بيئة تساعد الناس على تمثلها، والتصرف على هديها، وهذا هو التفسير لتغير أخلاق الناس وسلوكاتهم، وتعرضها لما يشبه حركة المد والجزر، على الرغم من أنهم لم يجحدوا يوما بأي شيء مما يجب عليهم الإيمان به.

المدنية قبل كل شيء اكتشاف للذات وللناس، اكتشاف الإنسانية الإنسان ومشاعره وحقوقه، وتقدير لجهوده ومشاركاته، وتأسيس للثقة بقدرته على السمو، وتأجيل الرغبات، وتجاوز العقبات.

في المجتمع المتخلف مدنيا يعجز الناس عن كشف ذواتهم، ويعجزون عن كشف غيرهم، وهم يندفعون إلى التكديس والاستحواذ، لأنهم مفتونون بالمظهر على قدر زهادتهم بالجوهر. وغرامهم بالأشياء بدفعهم إلى تشييء الإنسان، ومعاملته على نحو ما يعاملون الأشياء: يقربونه عند الحاجة، ويرمونه عند الاستغناء عنه.

وهو عندهم مُتّهم حتى تثبت براءته، وقدرتهم على المعاقبة أعظم من قدرتهم على الإثابة والمكافأة.

الإسلام وضع الأسس، ووضع أيضا الضمانات لاحترام الإنسان، وصونه والثقة به، ويكفي في هذا أن يكون قتل نفس واحدة في منزلة قتل الناس جميعا، وأن يكون إحياؤها بمنزلة إحياء الناس جميعا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا المائدة: 32.

والأصل في المسلم الصدق والعدالة وبراءة الذمة إلى أن يثبت خلاف ذلك.

إن من عرف نفسه عرف ربه؛ وإن مسيرة التاريخ تبدأ في اللحظة التي نحترم فيها الإنسان لإنسانيته، وفي الوقت الذي تصبح فيه تنمية الإنسان ذات أولوية مطلقة.

-بتصرف-

المصدر: كتاب تجديد الوعي، د. عبد الكريم بكار، 140-142.

شاركنا بتعليقك