إسهامات

... ويُظهر هذا النظام، وتلك البراعة، من خلال نظام يلفت الأنظار، وهو نظام حصر مياه الواحات بمزاب، فالسطح الذي كان إلى زمن غير بعيد -المورد الوحيد- أصبحت تستغله اليوم الآلاف من الآبار التي تخرب سطح الأراضي القابلة للفلاحة، فليست خاصية البئر في أهميته، إنما في طريقة استعماله. فالمياه لا تغرف من الآبار بعمل الإنسان مباشرة، بل تغرف بمساهمة كبيرة بواسطة الحيوانات مثل الأحمرة والبغال والجمال التي تنقل حسب حركة آلية معينة، ذهابا وإيابا، عرض مساحة منحدرة تحت قيادة حارس ما. وأما أدوات الغرف؛ فهي تتركب من "دلو" صنع من جلد المعز على شاكلة القمع، وطرفه الأسفل أي ذراعه ليست يابسة، وهناك حبل يجري على عجلة "جرارة" معلقة بعمود البئر الذي يعلو الأرض بمتر ونصف تقريبا، وهذا الحبل مشدود إلى الحافة العليا من هذا القمع، ثم هناك حبل آخر مشدود إلى الحافة السفلي من القمع، وهو الذي يحافظ على مسك الذراع أثناء عملية الصعود والنزول. ولقد صنع هذا المجموع بصفة هندسية خاصة دقيقة. حتى يسمح للدلو أن يجذب الذراع بفضل الحبل عند ابتعاد الدلو عن البئر، فيقع على الحوض، وهناك يمكن للماء أن ينفلت. ولقد كان هذا الأسلوب مستعملا منذ 1000 سنة ومازال مستعملا إلى الآن. فالحركة الأوتوماتيكية الرتيبة تجر اقتصادا في الجهد الآدمي؛ الذي من دونه لما خُلقت ولا ازدهرت هذه الواحات.

-بتصرف-

المصدر: كتاب أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره، مفدي زكرياء، ص 214، 215.

شاركنا بتعليقك