إسهامات

هل كل إنسان عاقل يستطيع أن يكون مبدعا؟

حاول الإجابة على ذلك، وقبل الحديث عن الاستراتيجية التي يقوم عليها الإبداع والمفاعيل التي يسعى إلى تحقيقها، نسوق القصة المقتبسة التالية عن طائر، عندما اختلفت مجموعة من الناس حول إخراجه من الحفرة التي كان قد عالقا فيها ضمن جدار سميك، فقد أحضر أحدهم عودا وبدأ بإدخاله وتحريكه داخل الحفرة حتى كاد أن يقتل الطائر، ثم حاول آخر أن يدخل يده الطويلة لعله يمسك به، لكنه لم يفلح، عندها اقترح البعض تخويفه بالأصوات المزعجة عله ينهض، أو يثب ويحاول الخروج من الحفرة.

كل ذلك كان يحصل وطفل في الرابعة عشرة من عمره من بين تلك المجموعة يراقب الموقف وتبدو عليه آثار التوتر والانفعال، وفجأة يصرخ وجدت الحل، ما رأيكم لو بدأنا بسكب كمية من الرمل في الحفرة تدريجيا؟، وكان ذلك، وتم إنقاذ الطائر!!

لعلنا في القصة السابقة نتلمس أمرا غير مألوف في الطريقة التي تم فيها إخراج هذا الطائر من حفرته، فهل يمكن لنا أن نطلق على مثل هذا النمط الآتي من التفكير كالذي لاحظناه عند الطفل في معالجته لمشكلة ذلك الطائر اسم التفكير المبدع؟؟

الإبداع بحد ذاته يشكل استراتيجية تتحقق عبر منهج محدد، يقوم في مضمونه على مضاعفة القدرة عند الفرد على التفكير والاتقاد الذهني، وهذا لن يتحقق إلا بفعل عوامل يمكن الوصول بها إلى تحقيق تلك الاستراتيجية نوجزها بالتالي:

1. التركيز على تحديد المشكلة بدقة وتحديد أسبابها. فالمبدع شخص يمتلك إحساساً كبيراً تجاه مشكلة ما تواجهه ويكون بذلك الأكثر قدرة من غيره على التركيز العقلي في تحسس الأزمات والمشكلات، ومن ثم النجاح في التعرف على أسبابها، خلافاً للنمط التقليدي الذي يفكر به الآخرون، وخلافاً لما يرددونه تجاه ذلك من عبارات من مثل "كل شيء على ما يرام".

إن وصول المبدع إلى مثل هذا التركيز يوجب عليه أن يحرص على صفاء ذهنه بما يمكنه من مضاعفة قواه الذهنية، ليجعلها قادرة على إثارة التفكير عنده، والاستفادة من إمكاناته في تنظيم تفكيره نحو المشكلة التي تواجهه، ودراسة أسبابها وطرق معالجتها، أخذاً بعين الاعتبار كل ما يمكن أن يساعد في تحقيق ذلك كالتوظيف الصحيح للوقت، والاختيار الملائم للبيئة والمكان، والاستحضار الدائم لحوافز التعلم والنجاح، والابتعاد ما أمكن عن القلق والانفعالات النفسية التي كثيراً ما تشكل عوائق تقف أمام التوصل للحلول المأمولة بكل يسر وسهولة.

2. تحديد الأهداف، وهذا ما يميّز المبدع عن غيره عندما يواجه تحدياً ما، فهو يعرف أنه لابد أن يعمل فكره في أمر محدد دون آخر عبر إدراكه لتلك الأهداف التي تدفعه لمثل هذا النوع من التفكير، فهو هنا أمام مشكلة ما لابد وأن يجد لها حلّاً، وهو بذلك يترجم لنا عام آخر في استراتيجية الإبداع يمكن صوغها في العبارات التالية:

حدد أهدافك بدقة ووضوح، ثمّ تخيّل لذة تحقيق هذه الأهداف وعقلك سوف ينجدك باللاشعور في تقديمه لشروط نجاحك، وفي توجيه طاقتك الجسمية والنفسية لتحقيق ذلك النجاح، والوصول به إلى درجة التفوق والتميّز.

3. تحديد البدائل الممكنة للحل، وهذا يأتي ضمن ما يُعبَّر عنه بالمرونة الذهنية المطلوبة في منهج الإبداع ومهاراته، حيث تعني تلك المرونة المقدرة على الانتقال بالتفكير من مهمة ذهنية إلى أخرى، كما يعني ذلك توسيع آفاق التفكير وتجنب التعصب لرأي أو فكر معين، وفي إيجاد البدائل بصفة دائمة (أي تقليب المسائل على كافة أوجهها)، وهذا لن يتحقق إلا من خلال التفكير بطريقة إبداعية إبتكارية بعيدة عن النمط التقليدي المعروف.

أما عن كيفية تحديد البدائل الممكنة، فلا بد للمبدع هنا من استخدام أو صياغة كلمات وعبارات محددة أو ذاتية خاصة به، وأن يفكر من زوايا ورؤى مختلفة، بما يساعده على توليد أكبر قدر من الأفكار والبدائل، كأن يستخدم الكلمات والعبارات والزوايا التالية:

اربط، كرّر، بالغ، اقلب، اعكس، فكّر من الداخل ومن الخارج، من فوق، من تحت، من اليمين، من اليسار، من جميع الجهات... إلخ.

في القصة التي تحدثت عن الطائر في أمر انحباسه، كانت الأكثرية من الحضور تفكّر من الأعلى إلى الأسفل (أي كيف يمكن إمساك الطائر من أعلى)، بينما تمثل تفكير الولد من الأسفل إلى الأعلى.

ماذا لو جعلنا الطائر يرتفع من أسفل إلى أعلى كي نتمكن من إنقاذه من تلك الحفرة القاتلة؟.

لقد جاءت فكرة سكب الرمل بكميات قليلة على دفعات ومن الجهات المختلفة للحفرة، كفيلة بأن يرتفع الطائر شيئا فشيئا بعد أن ينفض الرمل عن جسده في كل مرة يتم فيها سكبه عليه.

إن نجاح المبدع في تحديد البدائل الممكنة لابد أن يرافقه عدد من الأفعال تتمثل بالنقاط التالية:

  • تسجيل كل ما يخطر بباله من أفكار، وعدم الاستعجال في تقويمها، أو استبعاد بعضها، فقد أثبتت الدراسات أن كثيراً من الأفكار والبدائل الجيّدة التي تم استخدامها في حل العديد من المشكلات كان قد تم استهجانها في البداية بعدما وصفت أنها مثالية أو متهورة.
  • إجابته على أسئلة يطرحها على نفسه ترتبط بالموضوع الذي يعالجه من مثل:

لما لا أفعل كذا...؟، ماذا لو فعلت كذا أو لم أفعل كذا؟، وما الافتراضات التي يمكن تجاوزها هنا؟، هل أُغيّر في زاوية تفكيري؟.

  • التغلب على ما يسمى بالأقفال الذهنية، والتي كثيرا ما تقف في وجه الإبداع أو تَحُول دونه وهي ما يطلق عليها البعض بالسدود الفكرية، فبعض هذه السدود أو الأقفال تعود بمرجعيتها إلى البيئة الثقافية حيث تربى الفرد، وبما تحمله من قيّم واتجاهات تنظم سلوكه وتبلور أهدافها، ويرجع بعضها إلى ذات الفرد نفسه وبما يحمله من انطوائية أو انهزام داخلي ينعكس سلباً في معارك مواجهة الحياة ومواقفها المختلفة.

ويمكن إبراز مثل هذه السدود الفكرية وترجمتها لدى الكثيرين باستجابتهم إلى معنى العديد من الأفكار المحبطة من مثل:

  • العباقرة والناجحون والفنانون هم فقط يمكن أن يكونوا مبدعين.
  • لا بد أنك تحتاج إلى أن تتألم وتعاني كثيرا، وأن تجتهد وتتعب أكثر حتى تكون مبدعا.
  • الشباب هم فقط أصحاب الأفكار الإبداعية.
  • الإبداع يحتاج لكثير من الجهد والمال والوقت.
  • الإبداع نوع من الرفاهية الفكرية والعملياتية، لا يصل إليه معظم الناس ولاسيما الفقراء منهم.

وهناك أنماط عدة لمثل هذه الأقفال أمام الإبداع يرد معظمها إلى البيئة غير الصحية للتعلم عند المتعلمين، والأمثلة كثيرة على ذلك من مثل: التركيز على الحفظ وإغفال الفهم، وما يتولد لدى الطفل من عقدة الحل الوحيد، أو الإجابة الصحيحة المطلقة، أو في المظاهر السلبية في صيغ الأسئلة من: أذكر..؟ عَدّد..؟ عرف..؟.... إلخ، وبالتالي ابتعادها عن الصيغ الإيجابية في عباراتها من مثل: وضّح..؟، بيّن أوجه الاختلاف أو التشابه بين كذا، اقرأ كذا واستخلص ثلاثاً من النتائج المتضمنة فيه.. إلخ، وبما يعمل على إثارة التفكير، والتحفيز نحو الإبداع والابتكار، أو في استخدام عبارة، أنا لست مبدعاً، وهي من أشد الأقفال وأوصدها أمام الإبداع لأنها تمثل نظرة دونية للفرد في مجتمعه، أو في تكرار عبارة: لا شأن لي بهذا الأمر، أو هذا ليس من تخصصي.

وحول هذه العبارات الأخيرة فقد أورد "روجر" عن ذلك في كلامه عن ظاهرة الإبداع عندما طرح على نفسه السؤال التالي: لماذا لا يفكر أحدنا مثلا عندما تتعطل سيارته؟ أو تتعطل إحدى المرافق في بيته، بخاصة عندما يتعذر وجود المختص، أن يحاول اكتشاف العطل، وعدم الوقوف مكتوف الأيدي أمام هذه القضية وأمثالها، حتى لو كانت خارجة عن إطار تخصصه أو تجربته، والمحاولة للاهتداء ما أمكن للوصول إلى الحل المناسب ريثما يتم الرجوع إلى ذوي الاختصاص للإفادة من تجربتهم ومهنيتهم في هذا الإطار.

وهناك العديد من الأطر والعبارات الأخرى التي تشكل امتداداً لتلك السدود والأقفال الفكرية كما على سبيل المثال في استخدام عبارة أنا ألتزم القواعد المنطقية، مع ما يقصد بها من طرائق التفكير والاستنتاج التي تقوم على أسباب منطقية، وهذا ما قد يدفع إلى الاعتقاد بصحتها وبضرورة اتباعها، لكن مع مرور الوقت تنتفي أسبابها وتنعدم صحتها، أو في التعامل مع عبارة كن عمليّاً، وما يشكل ذلك من عقدة البديل العملي التي قد تدمر بناء الأفكار الإبداعية، فكم من فكرة مبتكرة طرحت وجوبه أصحابها أو صاحبها بعبارة: يا أخي كن عمليا، وبعد فترة تبين أن الفكرة تلك هي البديل العملي الحقيقي التي تستحق التقدير.

4. وأخيرا يأتي اختيار أفضل البدائل المتوافرة للحل أو المرشحة له، كإحدى تلك الاستراتيجيات الهامة في المنهج الإبداعي، فلابد للمبدع وفي إطار اختياره للأفضل من البدائل المتاحة أمامه لحل مشكلة ما من اعتماده بعض المعايير من مثل: مدى الحاجة، سهولة التنفيذ المزايا والعيوب...، وعلى استعانته بتوظيف مضمون بعض الكلمات أو العبارات من مثل: التكلفة المخاطر، سهولة التنفيذ، متى، كيف، ... إلخ، مع الاستئناس بالإجابة على بعض من نماذج الأسئلة التالية:

هل هذه فكرة جيّدة؟

هل الوقت مناسب لتنفيذها؟

هل نستطيع تنفيذها؟

من يستطيع مساعدتنا؟

ما النتائج التي يمكن أن تترتب في حالة فشلها؟ وهكذا...

المصدر: كتاب التفكير الابداعي، د. هشام سعيد الحلاق، صفحة 53.

شاركنا بتعليقك