إسهامات

إن مبدأ الاستخلاف في المال، يُحتِم علينا أن ندبر مقدراتنا المالية في إطار رأس المال المتحرك المنتِج، الذي يولد نشاطًا اقتصاديًّا من خلال الاستثمار، وخلق المشاريع المنتجة التي تمتص العطالة، وتوفر فرص الشغل للشباب من خلال اندماجهم في محيطهم الاقتصادي المفعم بالإنتاج والحركية.

وفي ضوء هذا المعنى ينبغي فهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ التوبة: 34، وإذا كان المفسرون القدامى قد فسروا الكنز بالمال الذي لم تؤدَّ زكاته، فإننا نجد من المعاصرين من توسع في ذلك ليشمل المال الجامد الذي لم يدفع به أصحابه إلى سوق العمل من أجل تنميته واستثماره حتى يستفيد منه المجتمع كله، يقول مجدي عبد الفتاح سليمان: "والاكتناز في الفكر الإسلامي يشمل منع الزكاة وحبس المال، فإذا خرج منه الواجب لم يبق كنزًا، والواجب من وجهة نظرنا يشمل الزكاة والإنفاق والاستثمار، فلا يخرج المال من دائرة الاكتناز إلا إذا تم إخراج الواجب أي الزكاة، العفو، النفقات، الصدقات، مداومة الاستثمار. والإسلام لم يقف في محاربة الكنز عند حد التحريم والوعيد الشديد، بل خطا خطوة عملية لها قيمتها وأثرها في تحريك النقود المكنوزة، وإخراجها من مكانها لتقوم بدورها في إنعاش الاقتصاد".

ولقد أثبت الواقع في الفترة الراهنة، بأن مشكلة الأمة ليست متعلقة بالمال من حيث نقصه أو عدمه، ولكن جوهر المشكلة هو عجزنا أو عدم رغبتنا في جعل ما نملك في خانة "رأس مال"، والاكتفاء بجعل علاقتنا به منحصرة في خانة "الثروة"، ومعنى هذا أن الاستفادة من أموال الأمة تبقى مقتصرة على أصحاب الثروات الجامدة، وأن الحل كما يقول الأستاذ مالك بن نبي: "ليس في تكديس الثروة، ولكن في تحريك المال وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة" البسيطة، وذلك بتحويل معناها الاجتماعي من أموال كاسدة، إلى رأس مال متحرك ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد والعمل بهذا المنهج سيجعلنا نحقق مراد الله تعالى في قوله: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ الحشر: 7.

إن استثمار الأموال وفق هذا النهج، سيتيح لأفراد الأمة جميعًا المشاركة في تحمل مسؤوليات البناء والتنمية والابتعاد عن روح الخمول والكسل، ولعل هذا من أهم المقاصد التي يسعى مبدأ الاستخلاف في المال إلى تحقيقها.

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة حراء

شاركنا بتعليقك