إسهامات

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

خاطب الله تعالى المؤمنين على سبيل التخصيص والتشريف في هذه الآية، لأنّ الّذين آمنوا يحرصون على تنفيذ أمر الله، ويستجيبون له، ويتأدّبون بآداب الإسلام. لذلك وجّه الله سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين في كلّ زمان ومكان هذا التوجيه، وهذا التوجيه ينضوي تحت آداب المعاشرة، والّتي لها علاقة وثيقة بقضايا عامّة مرتبطة بحفظ العفّة، أيّ كيفيّة الدخول إلى بيوت الناس، وكيفيّة الاستئذان بالدخول إليها، والمطلوب أن يتأدّب الجميع بهذا الأدب، لأنّ هذه الآداب من صفات المؤمنين الّذين ينصاعون لأمر الله، ولتوجيهه تعالى.

في الآية نقاط رئيسيّة عدّة:

أ. الاستئناس.

ب. التسليم.

ج. ارتباط الآداب بالفطرة الإنسانيّة.

أ. أدب الاستئناس قبل دخول منازل الغير: الاستئناس في الآية يتضمّن معاني أخرى تضاف إلى الاستئذان، وهو يعني:

أولًا: طلب الدخول.

ثانيًا: إحراز وجود من له حقّ إعطاء الإذن وأخذ الموافقة، فإذا أخذت موافقته على الدخول تشعر بالأنس، وهذا المعنى تفيد به كلمة الاستئناس وهي أعمّ من الاستئذان.

ثالثًا: الكشف عن هويّة الطارق، فالمعنى الثالث للاستئذان أن تعلن عن اسمك وهويّتك.

رابعًا: هو استئناس أهل الدار بعد أن يعلن الطارق عن هويّته، فهذه معانٍ أربعة نستفيدها من كلمة الاستئناس.

والاستئناس من الأنس، أي الاستئذان المرافق للمحبّة واللّطف والمعرفة والإخلاص، فيمكن أن نستفيد من هذا المعنى أنّ الاستئذان يجب أن يكون برفق وأدب وصداقة، بعيدًا عن أيّ حدّة وسوء خلق.

وقد جاءت ﴿بُيُوتًا نكرة في سياق النهي، وإذا جاءت النكرة في سياق النهي أفادت العموم والشمول، فهذه الآية تشمل أيَّ بيت، فأيّ بيت لا بدّ أن لا تدخله إلّا بعد الاستئذان.

ب. أدب السلام:

الأدب الثاني الّذي تتضّمنه الآية هو أدب السّلام، وقد اختلف العلماء في فهمهم للآية، فالبعض قال إنّ السلام يسبق الاستئذان، وإنّ هناك تقديمًا وتأخيرًا في الآية، والأصل هو حتّى تسلّموا وتستأنسوا، والبعض اعتبر أنّ السلام يأتي بعد الاستئذان، وقبل أو مع دخول المنزل، وسواءٌ أكان السلام قبل أم بعد، فإنّ المتّفق عليه أنّ الاستئذان قبل دخول منازل الغير واجبٌ، أمّا السلام فهو مستحبّ مؤكّد، وأنّ الآية تشير إلى أدبيْن من آداب المعاشرة لا بدّ من التأدّب بهما، وهما الاستئذان والسلام، ولكلّ منهما أصوله وشرائطه.

قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.

ج. أحكام إضافيّة لدخول المنازل:

فسّر آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الآية بأنّها إشارة إلى أنّه لا لزوم لانزعاج المرء إن لم يؤذن له بالدخول، فلعلّ صاحب المنزل في وضع غير مريح، أو أنّ منزله لم يهيَّأ لاستقبال الضيوف، وبما أنّ بعض الناس قد يدفعهم حبّ الاطّلاع والفضول حين رفضهم استقباله على استراق السمع، أو التجسّس من ثقب الباب لكشف خفايا أهل المنزل وليطّلع على أسرارهم، لهذا قالت الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.

1. التزام الآداب من وسائل تحقيق التزكية:

التزكية بما تعنيه من تطهير وإصلاح وتخلية من الرذائل وتحلية بالفضائل، ومن ثمّ تجلية ووصول إلى مرتبة العبوديّة الحقّة، هي على نوعين: فرديّ واجتماعيّ، بالتّالي، فإنّ الآداب، ومنها أدب الاستئذان، هي أحد وسائل تحقيق التزكية الاجتماعيّة، ذلك أنّ البيوت تمثّل حرمًا آمنًا لا يستبيحه أحد إلّا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الّذي يريدون، وعلى الحالة الّتي يحبون أن يلقوا عليها الناس. ذلك أنّ استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان، يجعل أعينهم تقع على عورات، وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات، وتهيّئ الفرصة للغواية الناشئة من اللّقاءات العابرة والنظرات الطائرة، والّتي قد تتكرّر فتتحوّل إلى نظرات قاصدة، تحرّكها الميول الّتي أيقظتها اللّقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار، وتحوّلها إلى علاقات آثمة بعد بضع خطوات، أو إلى شهوات محرومة تنشأ عنها العقد النفسيّة والانحرافات.

قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.

2. بيوت مستثناة من حكم الاستئذان:

تستثني الآية كما هو ظاهر بعض البيوت من حكم الاستئذان، فتجيز دخول البيوت غير المسكونة الّتي فيها متاع للشخص، وقد اختلف المفسّرون في تحديد مصاديق هذه البيوت، فقد قال البعض: يُقصد بها المباني الّتي لا يسكنها شخص معيّن، وهي لعموم الناس، كالمنازل العامّة في الطرق البريّة، والفنادق، والحمامات العامّة وأمثالها. وقد جاء هذا المعنى بصراحة.

وللدلالة على أهمّيّة الالتزام بما ورد في الآيات من أحكام وآداب، وكي لا تسوّل النفس الأمّارة بالسوء للإنسان أن يتجاوز هذه الأحكام والآداب، تعقّب الآية بأنّ الله يعلم كلّ شيء. فكلّ الأعمال مكشوفة عنده عزّ وجلّ، فهو عليم خبير بطوايا نفوسكم، وبنواياكم، وبما يختلج في صدوركم.

3. المعنى الإجمالي:

تخاطب الآيات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا خطابًا مباشرًا يتضمّن ما يلي:

- الأمر بإحراز الأنس قبل دخول منازل الغير، وهذا يدلّ على ضرورة الاستئذان وطلب الدخول، وإحراز وجود من له حقّ إعطاء الإذن وأخذ الموافقة بالدخول.

- النهي عن دخول بيوت الغير من دون إحراز الإذن بالدخول، إذ لا يكفي مجرّد الاستئذان، بل يجب الاستئناس الّذي يتضمّن أخذ الإجازة بالدخول ممّن له حقّ إعطاء الإذن.

- التأكيد على أدب السلام عند دخول بيوت الآخرين.

- تأمر بالرجوع إن لم يأذن صاحب البيت بالدخول.

- تستثني البيوت غير المسكونة الّتي فيها متاع للشخص، كالفنادق، والأماكن العامّة، وغيرها من حكم الاستئذان.

كما أنّها تعقِّب بالإشارة إلى أنّ لجميع هذه الأحكام جذورًا في الفطرة الإنسانيّة، وأنّ التزامها هو من وسائل تحقيق التزكية، وتذكّر بعلم الله تعالى، فالله سبحانه شرّع هذه الآداب لعلمه بأنّها خيرٌ لكم لعلّكم تذكَّرون.

-بتصرف-

المصدر: موقع شبكة المعارف الاسلامية

شاركنا بتعليقك