إسهامات

من أهم ما اعتمد عليه العزابة في سيرهم، وممارساتهم للتربية العملية التطبيقية والتوجيه لهيئتهم، وللطلبة، والعوام، مبدآن، الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والثاني الولاية والبراءة حسب ما أمر به الله تعالى، والرسول . وما انتهجه من طرق لصيانة المسلمين ومجتمعهم، والمحافظة على إسلامه صحيحا دون أن تنال منه الأهواء فيصاب بالوهن والفساد. فهما مبدآن يتماشيان مع مرحلة الكتمان ويتناسبان معها تناسبا طرديا. فما هما يا ترى؟ وما هي أدلة كل منهما؟ وكيف طبقهما العزابة؟ وما هو مدى أهمية تطبيقهما في المجتمع؟

إن نظام العزابة في الأصل قد قام على أساس مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمحافظة على الدين وتطبيقه وصيانة المجتمع، ويعتبر ذلك تطورا لنظام الحسبة في الإسلام (الصفة الدينية بقيت مع نظام الحسبة في المغرب باعتباره أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر) ..فالمجتمعات المحافظة في ربوع المغرب کالإباضية والصفرية لابد أن يحرص أفرادها على قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة العادات السيئة والبدع، والانحرافات حتى لو صدرت من أعلى سلطة في المجتمع فما نظام الأسواق القائم في ميزاب تحت إشراف العزابة من تنظيم ومراقبة إلا تطبيق لأسس نظام الحسبة القائم على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأمة محمد من أصلها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فهما من أصول العقيدة لدى الإباضية. "وندين بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب في كل زمان على قدر الطاقة".

كان مشائخ الإباضية يهتمون بهما في حلهم وترحالهم، فقد توجهت سنة 449 جماعة من مشايخ نفوسة وجربة إلى "سوف" و"غلانة" و"تيماسين" و"وارجلان" فلما دنوا من وارجلان إلتأم المشايخ مع تلامذتهم، ونهوا عن فعل ما لا يليق وحددوا خطة رسموها، وهي ألا يتكلموا في أمور وارجلان إلا على وجه الزيارة من المواعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بحق الله تعالى فنهوا عن الأخلاق الدنيئة وأخلاق السوء، وكل ما يدنس دين الله، وما يجر إلى تدنيسه من المطامع. فإذا دخلوا منزلا اجتمع إليهم أهله فيأمرونهم بالمعروف، واتباع سيرة أوائلهم، وبإقامة حقوق الله عليهم.

يتبين من خلال الوثائق والاتفاقات والقرارات الصادرة من المجالس الدينية وقرارات العزابة "وادي ميزاب" محاربة المناكر والبدع والأهواء والمخالفات، واستنكار ذلك. كما يتبين من إعلان البراءة من المخالفات التي ترتكب مدى محاربتهم إياها أو للمنكر. ففضلا عن هذا ما زالت قرى ميزاب إلى الآن تقيم مظاهرة في كل عام تحت مجلس العزابة وقبل الشروع في موسم المقابر للنهي عن المنكر.

لا يُنكر أثر وفعالية القيام العملي التطبيقي لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في محاربة الرذائل والموبقات والآفات الاجتماعية، وتوجيه المجتمع نحو تطبيق مبادئ الاسلام وأحكامه وتغذية الروح الإسلامية، والتعاون على البر والتقوى، وما في صلاح المجتمع، وتعزيز سلطة العزابة الساهرة عليه. ولكن بعد محاربة الاستعمار لنفوذ وسلطة العزابة سلبها مقوماتها تدريجيا، وعمل على عرقلتها، وإرهابها، والتأثير فيها ولكنها صمدت، وتحملت الكثير، فهي إن سلبت ما كانت تتمتع به من نفوذ تغيير المنكر باليد ، فهي لم تتخلى عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باللسان، والاعتماد على طريقة الوعظ، والإرشاد التي لا ينكر مفعولها وأهميتها فقد اعتبرهما الرسول جندين من جنود الله فقال: "من نصرهما نصره الله ومن خذلهما خذله الله" يترتب عن تركهما عقاب الله وتسليطه الأشرار على الأخيار فيدعو هؤلاء فلا يستجيب الله لهم. قال : "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم أشراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم" وعن حذيفة بن اليمان أن النبي قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف. ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم".

يترتب عن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فساد كبير، وتحلل اجتماعي فظيع، وتعطيل أحكام الدين فتزول رقابة الضمير والأخلاق وتفقد حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطانها لأنها لا تستند إلى قوة تحميها، ولا رادع اجتماعي يصونها، وإنما يقوم بها متطوعون لا نفوذ لهم، والدواعي إلى خلافها متوفرة قوية.

إن تخلي المسلمين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح فيما بينهم يؤدي بهم إلى الحرمان من رحمة الله، وإلى انقسام عراهم، وتلاشي وحدتهم.

-بتصرف-

المصدر: نظام العزابة للمؤلف صالح بن عمر اسماوي. ص119-123.

شاركنا بتعليقك