إسهامات

يعتبر بعض المؤرخين أن بنو مزاب سكنوا في وادي مْزاب منذ العصر الحجري الأول وهم من قبيلة بني مُصعب، أو مُصاب التي تتفرع من قبيلة زناتة الأمازيغية، واستقروا به وهم الذين أنشؤوا كل القصور المزابية حتى اليوم، أما الرستميون فهم لا يعدون مجرد نازحين قلائل قَبِلهم المجتمع المزابي وضمهم إليه، وهناك عدة أدلة تساند هذا الرأي منها:

أوّلاً: أقوال ابن خلدون والـمؤرخين الـمشاهير:

إذ نجد ابن خلدون و هو مؤرخ المغرب الإسلامي الأول يقول في كتابه العبر و ديوان المبتدأ والخبر:" وقصور مصاب سكانها لهذا العهد من بني عبد الواد و بني توجين ومُصاب وبني زردال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بـمُصاب"
فابن خلدون من أول الذين يجب أن نعتمد عليهم في التقصي عن تاريخ المغرب الإسلامي، فهو مؤرخ المغرب الأوّل بلا منازع ونلاحظ أن العلاّمة ابن خلدون رحمه الله يذكر أن سكان مْزاب الأوائل هم ليسوا من بني مصعب ( مُصاب ) فقط، بل اختلطت معهم عائلات أمازيغية أخرى من أبناء عمومتهم أو من نفس القبيلة: زناتة ( بنو عبد الواد، بنو توجين، بنو زردال ) لكن سيادة بني مصعب وانصهار العائلات الأمازيغية الأخرى في بني مصعب أدت إلى انتسابهم وانتساب الوادي إليهم، فسموا كلهم ببني مصعب، وسميت المنطقة ببادية بني مصعب، أو وادي مصاب .

ثانيا: المنطق والمعطيات التاريخية:

فالـمنطق يؤكد أن أصل المزابيين الرستمي يتنافى تماما مع طبيعة بني مْزاب ولغتهم وثقافتهم وتراثهم الأمازيغي، فلو كان بنو مْزاب ذو أصول رستمية لكانوا إما ذو لغة وثقافة عربية، أو فارسية، أما القول بأن المزابيين (الرستميين) اكتسبوا اللغة المزابية بعد هجرتهم إلى وادي مْزاب فمردود، لأن القائلين بذلك يقولون أن المهاجرين الرستميين كانوا هم الأغلبية، فمنذ متى تتأثر الأغلبية بالأقلية؟
أما القول بأن المهاجرين الرستميين كانوا أمازيغاً فمردود كذلك، لأن أغلبية المهاجرين الرستميين هم من الأسرة الحاكمة (الفارسية والعربية)، مع الإقرار بوجود عائلات أمازيغية بينهم .

وإذا تأملنا المعطيات التاريخية، لوجدناها تتنافى كذلك تماما مع القول برستمية بني مْزاب، فلنستعرض معا هذه المعطيات :
أول القصور المزابيـة وهي: أَغَرْمْ نَتْلَزْضِـيتْ (قرية الصوف)، أَوَلْوَالْ، وأُخِـيرة وتقع قرب تاجْنينْتْ، لَحْنَشْ ومُورْكِي قرب آت بُونُورْ، تِيـرِيشِينْ، تْلاتْ وبُوكْيَاوْ قرب آتْ اِزْجَـنْ، أَغَرْمْ أنْ وَادَّايْ قرب آتْ امْليشْتْ،( وهي قرى مندثرة حاليا) وقصر تَاجْـنِينْتْ وقصر آتْ بونورْ وتَغَرْدَايْتْ والقصور الثلاثة الأخيرة من القصور المزابية السبعة حاليًا، كل هذه القصور (المدن) بنيت قبل تاريخ هجرة الرستميين إلى مْزاب، ورغم أن تاريخ إنشاء المدن التسع الأولى المذكورة لم يتضح جيّداً، إلا أن المؤرخين متفقون على أنّها أنشئت من قبيل الفتح الإسلامي (حوالي 70 هـ – 689 م ) إلى غاية تأسيس تغردايت ( 477 هـ،1085 م) ( و هي أحدث المدن المذكورة) ، فإذا علمنا أن الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي رحمه الله، قد وصل في أول رحلة له إلى مْزاب لدعوة سكانه إلى المذهب الإباضي إلى تاجْنينْتْ عام: 422 ه، و أن دعوته سكان مْزاب لاعتناق المذهب الإباضي استمرت وقتا طويلا، مع العلم أن بعض المزابيين المعتزلة قاتلوا الرستميين النازحين إلى مْزاب مما يؤخر هجرتهم أكثر، أي أن نزوح بقايا الرستميين لم يكن قبل 470 هـ، فكيف و على أي أساس نقول أن المهاجرين الرستميين هم الذين أسسوا المدن المزابية ؟ و إذا كان كذلك، فمن أسس أَغَرْمْ نَتْلَزْضِـيتْ و أَوَلْوَالْ و أُخِـيرة و لَحْنَشْ و مُورْكِي و تِيـرِيشِينْ و تْلاتْ و بُوكْيَاوْ و أَغَرْمْ أنْ وَادَّايْ و تَاجْـنِينْتْ و آتْ بونورْ و تَغَرْدَايْتْ ؟ دون أن نتجاهل قرى أخرى غير مشهورة أسست قبل هجرة الرستميين مثل: تَمَزَّارْتْ، و أقْنُونَايْ .

إننا لا ننفي مساعدة بقايا الرستميين لبني مْزابْ في بنائهم لمدنهم الأخرى مثل آت امْلِيشْتْ وآت اِزْجَنْ، وآت اِيبرڤَـانْ ( التي حُرّفت إلى برّيان) و تيڤْرارْ ( التي حرّفت إلى القرارة )، لكن مساعدتهم هذه لا تعني بناءهم لها، كما أنهم كانوا مجرد عائلات قليلة، وكانوا يبنون تحت إمرة وسيطرة وهندسة بني مْزاب وتعليماتهم، أي أن مرتبتهم في التأسيس والإنشاء كانت بمرتبة البنّاء المساعد حاليا.

ثالثًا: الآثار التّاريخية الأمازيغية بمْزابْ :

وهي من أهم أدلة أمازيغية مْزابْ وبني مْزابْ، إذ ألقى الدكتور بْيِـيـرْ روفو (Pierre Roffo) في الدورة الحادية عشرة لمؤتـمر ما قبل التاريخ المنعقد بفرنسا عام 1934 م، محاضرة بيّن فيها حصيلة بحوثه الميدانية في بلاد الشبكة ( والتي يعتبر واد مْزاب الجزء الأهم منها)، ذكر فيها بالتفصيل إحدى عشرة محطة من العصر الحجري الأول، وصف فيها ما جمعه من أدوات ذلك العصر التي بلغ عددها: 2959 أداة، بالإضافة إلى ذلك فإن المنطقة غنية بالرسوم على الصخور تثبت أن الإنسان المزابي كان موجودا في منطقة مْزاب منذ العصر الحجري وإلى اليوم.
هذه الصخور العديدة، نقشت عليها حروف و رموز أمازيغية وأعداد، ورسوم للحيوانات .

المصدر: موقع تاوالت.

شاركنا بتعليقك