إسهامات

1. أخطر أمانة يحملها الإنسان نفسه التي بين جنبيه:

ربُّنا سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم :﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾ سورة الأحزاب: 72.

الإنسانُ هو المخلوق الأول، هو المخلوق المكرَّم الذي سخَّر الله له ما في السموات والأرض، لماذا سخر له ما في السموات والأرض؟ لأنه حمل الأمانة، ورضي أن تكون نفسُه وهي أثمنُ ما يملك عنده أمانة، فإن عرَّفها بربها، وإن حملها على طاعته، وإن جعلها تتقرَّب إليه فقد زكَّاها، وإن زكاها أسعدها إلى أبد الآبدين، وإن أبقاها جاهلةً سمح لها أن تخالف منهج الله عز وجل، أساءت إلى الخلق، وإن دسَّاها شقيت، وشقي بها إلى أبد الآبدين، هذه أخطر أمانة، بل هي الأمانة الوحيدة ذات العلاقة المصيرية، إن أدَّيتها، وحفظتها سعدت بها إلى الأبد، وإن حِدتَ عن طريق الله عز وجل، ودسَّيتها شقيت بها إلى الأبد.

من خان أمانة نفسه كان ظلوماً جهولاً، ظلوماً لها وسبب ظلمه لها جهلُه، إذًا يتَّضح من هذه الآية أن أعدى أعداء الإنسان على الإطلاق من دون استثناء جهلُه، وأن الطريق الوحيدة إلى الله عز وجل هي العلم، بالجهل نشقى، بالجهل نهلك، وبالعلم نرقى، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم.

2. الوقت أثمن ما يملكه الإنسان:

اللهُ جل وعلا جاء بك إلى الدنيا وأعطاك عمراً، هذا العمر هو في حدِّ ذاته أمانة، فمن استهلكه في غير ما يرضي الله عز وجل فقد خان الأمانة، فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ " رواه الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ.

عمرك أمانة بين يديك، كيف تنفق هذا الوقت؟ إنك وقت، إن أثمنَ ما تملكه هو الوقت، إنك زمن، إنك بضعةُ أيام، كلما انقضى منك يومٌ انقضى بضعٌ منك، فأولُ شيء نفسُك أمانة، ومن فروع هذه الأمانة حياتُك، عمرك، الزمن الذي سمح الله لك به أن تقضيه في الدنيا هو في حدِّ ذاته أمانة، كيف تمضي الوقت؟ هذا السؤال الكبير، إذا استهلكتَ الوقت فيما يغضب اللهَ عز وجل فقد أهلكت نفسك، وإن استهلكت الوقت في المباحات فقط، فيما لا يغضب الله عز وجل ولكن لا يرقى بك في الجنة فقد خسرت خسراناً مبيناً، وهذا معنى قول الله عز وجل :﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ سورة العصر: 1-2.

مضيُّ الزمن وحده إن لم يُنفق في معرفة الله، إن لم يُنفق في الأعمال الصالحة، إن لم يُنفق فيما يقرِّبك إلى الله عز وجل، مضيُّ الزمن وحده خسارة محقَّقة، لأنه يستهلك الإنسان، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، الإنسان في رحلة وفي هذه الرحلة محطَّة أخيرة، فالحركة تعني الاقتراب من المحطة الأخيرة، إذًا الحركة تعني أنك تستهلك نفسك.

3. عمر الإنسان أمانة عليه استغلاله لسعادته:

المحافظة على الجسد، والعناية به، وصيانته مما يؤذيه أو يضعفه من أجل أن تنفق وقتك الذي سمح اللهُ لك به فيما أراد الله عز وجل من الأمانة، وإهمالُ الجسد، وعدم العناية، وتعريضه للأخطار بحيث تتعطَّل عن إنفاق الوقت فيما أراد الله عز وجل هو من الخيانة، لذلك عمرك أمانة، واللهُ جل جلاله أقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ سورة الحجر: 72.

عمرك أمانة، حياتك أمانة، فهذا الذي يعتدي على حياته ويزهق روحه بيده خالد مخلَّد في النار، الذي يعتدي على حياته ويزهق روحه بيده يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان، لأنه خان الأمانة، عمَّره الله عمراً ليسعد، ليكون له فرصة لسعادته.

4. الحواس الخمس فرعٌ من فروع الأمانة:

الحواس الخمس فرعٌ من فروع الأمانة، هذه العين التي وهبك الله إياها، التي ترى بها الأشياء بأحجامها، وبألوانها، وبحركاتها، وبسكناتها، ولا يعلم إلا الله كم فيها من الدقَّة، وكم فيها من الإعجاز، وكم فيها من الروعة، هذه العين إن استخدمتها في تتبُّع عورات المسلمين، أو النظر إلى ما لا يحلُّ لك من النساء الأجنبيات فقد خُنت الأمانة، إنها أمانة بين يديك، وإن نظرت بها إلى آلاء الله، إن نظرت بها إلى نعم الله، إن نظرت بها إلى ما بثَّ اللهُ في السموات والأرض من آيات دالة على وجود، وعلى وحدانيته، وعلى كماله فقد حفظت الأمانة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً سورة الإسراء: 36.

هذه الأذن إن استمعت بها إلى كتاب الله، إلى حديث رسول الله، إلى دروس العلم، إن استمعت بها إلى أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، إن استخدمت السمع ليزداد علمُك، وليزداد قربُك فقد حفظت أمانة السمع، وإن أصغيتَ إلى ما لا يرضي الله من كذب وغيبة ونميمة وفحش وبذاءة، وإن أصغيت إلى الغناء فقد خنت الأمانة .

5. القوة الإدراكية التي أودعها الله في الإنسان فرع من فروع الأمانة:

من فروع الأمانة حياتُك التي وهبك الله إياها، من فروع الأمانة حواسُّك الخمس، وهذه القوة الإدراكية التي أودعها الله فيك، الإدراك أرقى من الإحساس، الإحساس بالحواس الخمس، الإدراك يعني الفهم، قد ينطبع على الشبكية صورةُ الأفعى ولكنك بحكم خبراتك السابقة تفقه وتعلم وتدرك ما معنى الأفعى، الإدراك، التذَّكر، المحاكمة، التصوُّر، هذا الدماغ الذي يزيد عن مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تُعرف وظيفتُها بعد، وفيه أربعة مليار خلية قشرية تتمُّ فيها المحاكمة، وتتمُّ فيها إدراك المحيط الخارجي، مركز الرؤيا، مركز السمع، مركز الشمِّ، مركز الطعم، هذا الدماغ، هذه القوة الإدراكية، انظُر إلى من فقدَ عقلَه كيف يعيش بين الناس؟ أين مكانه الطبيعي؟ من يسوقه إلى المستشفى؟ أهلُه وأقرب الناس إليه.

هذا الفكر كيف أعملته؟ هل أعملتَه في الإيقاع بين الناس؟ في العدوان عليهم؟ في اغتصاب ممتلكاتهم؟ أم أعملته في التفكُّر في خلق السموات والأرض؟ هل هذا العقل، وهذا الفكر، أو تلك القوة الإدراكية، وما فيها من مفاهيم متراكمة، وما فيها من قدرات خاصَّة، وما فيها من محاكمة، وما فيها من استقراء، وما فيها من استنتاج، وما فيها من تذكُّر، وما فيها من تصوُّر، هذه القدرات الفكرية التي ميَّزك اللهُ بها وخصَّك بها كيف تستهلكها؟ فيما يرضي الله؟ في معرفة الله؟ في معرفة أمره ونهيه؟ في خدمة الخلق؟ في تيسير حاجات الناس؟ في إسداء النصح إليهم؟ في تيسير دنياهم وأخراهم؟ أم تستهلك هذه القدرة الفكرية العالية في سبيل الشيطان وفي سبيل جمع الدرهم والدينار من طريق مشروع أو غير مشروع؟ في سبيل أن تفرِّق بين الناس لتسود عليهم؟

6. أيُّ شيء ميَّز الله به الإنسان أمانة في عنقه :

معنى آخر من معاني الأمانة، كلُّ شيء وضعه اللهُ تحت تصرُّفك فهو أمانة، ابنك أمانة، وزوجتك أمانة، المريض، وأنت الطبيب أمانة، الموكِّل، وأنت المحامي أمانة، الشاري، وأنت البائع أمانة، المراجع، وأنت الموظف أمانة، هل أدَّيت له حقَّه؟ هل نصحته؟ هل أعطيته ما ينبغي؟ هل ذكرت له الحق أم كذبت عليه أم احتلت عليه؟ إنها أمانة.

واللهُ سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سورة النساء: 58.

الحِرف والمهن والخبرات والعلم، هذه كلها القدرات الخاصة، القدرة البيانية، القدرة الفكرية، والقدرة العضلية، أيُّ شيء ميَّزك الله به أمانة في عنقك، وسوف يستردّه الله عز وجل، واللهُ عز وجل يريد أن ينظر كيف تفعل، لينظر كيف تعملون، قال تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ سورة التوبة : 105.

-بتصرف-

المصدر: موسوعة النابلسي

شاركنا بتعليقك