كلنا نتفق أن الأم هي مربية الأجيال، وصانعة الرجال، والأمينة على أخلاق الأطفال وتعديل سلوكياتهم، والمدرسة الأولى في تنمية أخلاق العيال؛ كما قال حافظ إبراهيم:
الأم مدرســة إذا أعـددتـها أعددتَ شعبًا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا بالــــــري أورق أيما إيــراق
الأم أستاذ الأســاتذة الألى شغلت مآثـــرهم مدى الآفــاق
جواهر الأدب، لأحمد الهاشمي
إلا أن في المقابل قد تجعل ضغوطات الحياة اليومية الأم في بعض الأحيان مقهورة ومغلوبة على أمرها، ومطالب أبنائها الكثيرة قد لا يبقى لها إلا القليل من الوقت للاهتمام بحياتها الشخصية أو في تنمية مهاراتها.
ومن هذا المنطلق يتضح مدى أهمية تطوير الأم لذاتها، وتثقيف نفسها حتى تعي جيدا من هي أولا؟ وماذا تريد؟ وما رسالتها في الحياة؟ كيف لها أن تنشئ جيلا متميزا وقويا باستطاعته أن يحمل لواء الدين ويقود مجتمعه بفاعلية وبجدارة، وهي المعنية أيضًا بالمثل السائر: "وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة" وبتألقها وطموحها العالي وسيرتها الحسنة مع أهل بيتها ستنقش في لب أولادها المعاني والمفاهيم، وترسخ فيهم الآداب والقيم.
ودعنا نتفق معك أيتها الكريمة:
أن تربية الرجال وصناعة جيل متميز ليس بالأمر الهين، بل تعد -التربية- في وقتنا المعاصر غاية مهمة وصعبة ومسؤولية في الوقت نفسه خاصة مع الانفتاح الإعلامي الذي طغى علينا على حساب الجوانب الأخرى، وبالتالي تستدعي مزيدًا من الصفات الإيجابية التي يجب أن تتوفر لديك حتى تستطيعين القيام بواجبك التربوي كما أمرك الله؛ دون ملل ولا كلل، شريطة أن تتيقني أن التغيير والتنمية والتحسين ومستقبل جيد لأبنائك يبدأ من نفسك أولا ومن تطوير مهاراتك باستمرار حتى تكوني قدوة جيدة لهم، ومنك يقتبسون معالم النور والهدى.
وبالتالي من المفترض أن تخصصي وقتا لنفسكِ مثلما تخصصين وقتا معينا تقضينه مع أطفالك، وأشغال بيتك، لأنك إذا لم تقومي بشحن بطاريتك فلن تتوفر لديك طاقة كافية تنفقين منها للآخرين!
فكري وأنت تتأملين في حياتك وما أنت بحاجة إليه لكي تطوري نفسك؛ أنك تمثلين قدوة لأطفالك، كيف تهتمين بالحاجات العقلية والانفعالية والاجتماعية والروحية؟ فأبناؤك انعكاس ما أنت فيه، فهم يودون معرفة كيف يحقق الكبار حياة متوازنة..، وكذلك المهارات المتبعة، مثل إظهار الاهتمام وطريقة النقاش الصادق وكيفية حل النزاعات.. ولهذا يعد المنزل أفضل مكان لبناء جيل مميز.
وفي خضم كل هذا، عليك أن تعرفي مستوى طاقتك وقدرتك على الجلد والتحمل؟ وإن مقدار ما يمكن أن تمنحيه لأطفالك يعتمد جزئيا على صحتك وطاقتك، ومن الحكمة عندما تشعرين بأن طاقتك بدأت بالتناقص أن تبحثي عن أشخاص آخرين يساعدونك في تقديم التحفيز والدعم.
وهنا لا بد أن نذكرك ببعض الوسائل التي من خلالها يمكنها - بعد توفيق الله - تربية الرجال، وصناعة الأجيال، ومن ذلك:
1. الإخلاص لله: فأنت تربين أولادك لله وفي الله، ومن أجل غاية أهم، وهي تحقيق الخلافة في أرضه سبحانه وتعالى، فهم أمانة بين يديك أعطاها الله إياها، بمثابة هدية منه سبحانه وتعالى، والهدية بقيمة مهديها فكيف بالله الذي يهدي لك بهدية غالية وهي أولادك وهو المفضل -أي الإنسان- على جميع المخلوقات. ترى كيف تتعاملين مع هذه الهدية؟
2. القدوة الحسنة: وذلك بأن تكوني قدوة لأبنائك في عباداتك وتعاملاتك وأخلاقك، ومأكلك ومشربك، فالابن مثل الإسفنجة يمتص كل ما حوله..، وإذا أردت أن تغرسي قيمة الصدق فيهم؛ فابدئي ذلك بنفسك أولا، بأن لا تكذبي.. وهكذا مع باقي القيم والأخلاق والمبادئ.
3. الحكمة: كوني حكيمة في تعاملاتك عموما، ومع نفسك أحكم وأثبت، كيف ذلك؟ )يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ( البقرة: 269.
هناك عدة أمور يمكن من خلالها أن تكتسبي الحكمة والوعي لأدوار حياتك وهي النقطة المهم والفاصلة بين مربية متميزة وبين مدعية أنها تربي! إذ عليك كأم أن تكوني ذات همة عالية حتى توصلي ذلك الطموح إلى أبنائك، من خلال معاملاتك معهم وعن طريق القدوة، ويتمثل الطموح العالي، في:
4. الدعاء: وذلك بأن تكثري أيتها الأم من الدعاء لأولادك بالهداية والرشاد والاستقامة، ولا تيأسي إذا رأت غير ذلك في أحد أبنائها، بل عليك الإلحاح والاستمرار، فالدعاء سببٌ عظيم من أسباب صلاح الأولاد، وللأم في ذلك قدوة وأسوة في أدعية الأنبياء لأولادهم؛ كما حكى الله ذلك في القرآن، ومن ذلك قول صاحب العزة والسلطان في أواخر سورة الفرقان عن عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ الفرقان: 74.
دمتِ أيتها المرأة قائمة برسالتك النبيلة على وجه التمام والكمال، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
-بتصرف-
المصادر:
- كتاب: دليل الوالدين في تربية الأطفال الموهوبين، جيمس ت ويب وآخرون، ترجمة د. شفيق علاونة، مكتبة العبيكان، المملكة العربية السعودية.
شاركنا بتعليقك