إسهامات

الدماغ مظهر من مظاهر إتقان البارئ جلّ وعلا، ومنة من أعظم مننه على بني البشر، فهو قادر على معالجة ما يصل إلى 30 بليون معلومة في الثانية، وفيه نحو من ستة آلاف ميل من الأسلاك، ويحوي الجهاز العصبي للإنسان عادة حوالي 28 بليون عصبون، وكل عصبون من هذه العصبونات عبارة عن حاسب آلي ضئيل الحجم، له استقلاله الذاتي، وهو قادر على معالجة حوالي مليون معلومة. ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ لقمان: 11.

القدرات الهائلة التي زود الله بها بني آدم يقتلها الناس من خلال التربية والتعليم والوسط المحبط، وتدل بعض الدراسات على أن الطفل يولد وهو على درجة عالية من القدرة على الإبداع، وأن الأطفال حين تكون أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات يكون 95٪ منهم إبداعيين ومجددين، ولديهم قدرة على التجريد والتخيل النشط.

وأجريت دراسات على مجموعة من الأطفال في سن السابعة، فتبين أن نسبة المبدعين فيهم قد انخفضت إلى 4٪، ومع تقدم السن أكثر؛ فإنه لا يبقى سوى 2٪، قد ظل كل واحد من هؤلاء الأطفال يسمع من أبويه وإخوانه من يقول له: ماذا تفعل؟ هذا سخيف، هذا خطر، لا تشم هذا، لا تلمس هذا الشيء،...الخ، مما يؤسس في ذهنه في النهاية أن من الخطأ الخروج عن الدرب المعهود، وعن أطر التفكير السائدة في أسرته، ويأتي التعليم التلقيني بعد ذلك ليكمل المهمة في وأد الإبداع.

نحن نظن دائما أن الأطفال الصغار لا يستوعبون الحديث عن الإبداع والقيادة واتخاذ القرار، مع أن التجارب تثبت أن الطفل يستطيع أن يفهم شيئا عن هذه الأمور وهو في الروضة.

إننا لا نعلم التفكير لا في الروضة، ولا في الثانوية، ولا في الجامعة، فمع اهتمام العالم كله بمسائل التفكير والإبداع، وتفتيق الطاقات الذهنية، ظلت المؤسسات التعليمية لدينا غير آبهة بالتفكير الإبداعي، فهي مشغولة بحشو ذهن الطالب بالكثير من المعلومات.

الإبداع يعني: أن ترى المألوف بطريقة غير مألوفة، ويعني: إيجاد شيء أصيل لا يتوقعه الناس، ويرونه بعيدا عن الحلول والصيغ والطرق المتبعة.

أما الاختراع: فهو إنتاج شيء جديد بالاعتماد على الطرق المتبعة، والعلوم السائدة، كما هو الشأن في اختراع آلة أو جهاز.

لا بد أن نفرق بين السابح في خيالاته وأوهامه دون أي أصول علمية، ودون التركيز على أي هدف، وبين الذي يوجه خياله، ويسيره في اتجاه محدد، ونحو هدف معين، وفي إطار بعض المعطيات والثوابت العلمية المعترف بها.

فالأوّل تُكبلُه أوهامه حيناً من الوقت، ثم يتخلص منها سريعاً. أما المبدع؛ فإنه يجمع المعلومات حول ما يصل إليه خياله، ويُجري التجارب، ويتأكد من صدق النتائج، ولعل معظمنا يقع في خطأين أثناء التعامل مع الإبداع:

الأوّل: أننا نتصور أن المبدع هو الذي يثبت تفوقاً ذهني في كل شيء، وفي كل مواد الدراسة، وفي علاقته مع الناس، وفي فهمه للتاريخ والواقع، ..إلخ، وهذا خطأ فادح، يحرمنا من اكتشاف الإبداع، ثم من التعامل الصحيح معه.

إذا نال أحد أبنائنا درجات تامة في جميع المواد، وقَصّر في مادة واحدة غضبنا عليه، وأنَّبنَاه؛ فنحن نريده أن ينبغ في الرياضيات، كما ينبغ في الرسم والتاريخ...الخ وهذا طلب غير عادل.

ويدل عدد من الدراسات على أن لدى كل واحد منا جانبا إبداعية في شخصيته، ومهمتنا اكتشاف ذلك الجانب، وصقله ورعايته حتى يؤتي ثماره المرتجاة.

الثاني: أننا ننظر إلى الإبداع على أنه موهبة فحسب، وهو أشبه بمخزون يولد مع الطفل، وينفجر في وقت ما، فهو مثل فيض فجائي تلقائي، لا أثر الجهد البشر فيها.

إن المواهب مجرد قابليات جاهزة لأشكال التعامل المتباينة، إنها أشبه بكأس فارغة، يمكن أن يوضع فيها الماء أو العسل، وإن معظم الأشخاص الموهوبين في عالمنا الإسلامي يعيشون ويموتون، وتموت مواهبهم معهم، دون أن يدروا عنها، أو يدري عنها مجتمعهم شيئا.

الإبداع درجات تتفاوت بتفاوت الأفكار والمنتجات الإبداعية، وحين نتحدث عن صفات المبدعين، فلا يعني ذلك: أن كل مبدع متصف بها، إذ من الممكن أن يتصف بعض الأشخاص ببعض تلك الصفات، ويأتي بإبداعات راقية جدّاً، نظرا الأهمية تلك الصفات، وتأثيرها المتميز، أو لأنه حقق تجسيداً عالياً لها، مما عوضه عن فقد بعض الصفات الأخرى؛ فقد يكون المرء قليل الاهتمام بالوقت، لكنه يملك إمكانات ذهنية عالية جدّاً، تجعل قليلا من العمل لديه يثمر ما لا يثمره العمل الكثير لدى غيره، وهكذا.

ونحن هنا نسوق بعضا من سمات المبدعين، حتى نستعين بها على كشف ذواتنا، وتقييم أنفسنا، ومنها:

1. المبدع يُنتج عدداً كبيراً من الأفكار الفجة والناضجة، ويملك القدرة على غربلة تلك الأفكار وتصفيتها لاستخراج الصالح منها.

2. يملك المبدع القدرة على التحليل والاستدلال، كما أنه رحب الأفق، واسع الخيال، يدمج القديم في الجديد، ويجد سبلاً للتوفيق بين ما قد يبدو متنافراً، ويدرك وجوه الشبه بين الأمور المتباعدة.

3. المبدع دائم النظر، قوي الملاحظة، وهو وإن توقف عن حل المشكلات، لكنه يظل دائم التفكير فيها.

4. المبدع يحب التغيير والتجديد، وينفر من الإغراق في التقليد، ويعشق التجريب والمحاولة.

5. كثيراً ما يقدم المبدع أفكاره ويراها كثير من الناس غير معقولة، أو مستحيلة التطبيق.

6. المبدع مثابر دؤوب، لا يعرف السأم والملل، ويملك قدرة كبيرة على الاستقصاء والحفر في الأعماق، وحين يشعر الإنسان العادي بانسداد الطريق، يلمح المبدع ثغرات، ينفذ منها إلى ما يريد.

7. المبدع إنسان إيجابي مرح متفائل، يملك قدراً جيّداً من الشجاعة والحزم، يساعده على مناصرة ما يراه حقاً.

8. يملك المبدع قدراً جيّداً من المرونة الذهنية، فهو قادر على استخدام أساليب وطرق كثيرة في سبيل الوصول إلى الفكرة الصحيحة؛ فهو تارة يلف حول ما يريد، وتارة يلقي أسئلة غير مألوفة، وتارة يقيم جلسة للقصف الذهني، أو يطلق لخياله العنان، ليأتي بالكثير من التصورات والاحتمالات، وإذا أعْيَتْهُ الحيلة: حاول تحقيق اختراق على جبهة أخرى؛ ليستفيد منه في النفاذ إلى مطلبه الأساسي.

المصدر: كتاب "تأسيس عقلية الطفل"، د. عبد الكريم بكّار، صفحة 133.

شاركنا بتعليقك