﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ النحل، الآية: 76
إذا فهمنا معنى الفعالية واللَّافعالية فبإمكاننا أن نفهم أن الكلمة التي وردت في الآية وهي كلمة (الكَلّ) هي الكلمة القرآنية المقابلة لمصطلح اللَّافعالية والسلبية، بل كلمة القرآن أدلُّ على هذا المعنى حيث أن كلمة (الكَلّ) لا تدل على اللَّافعالية فحسب بل تدل على أنه عبء على من يتولاه سواء كان فرداً أو مجتمعاً. كما وأن كلمة (العدْل) في القرآن تقابل مصطلح الفعاليَّة بشكل أدق، لأن الفعالية لا تشترط دائماً أن تكون فيما ينفع بل قد يكون المرء فعالاً فيما يضر. أما كلمة العدل ففعاليته في الحق دائماً.
والآية تدل بشكل دقيق واضح على الفعاليَّة واللافعالية في مَثَل الرجلين الذي ضربه الله : " مثل الرجل الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كّلُّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير" . إنَّه وصف دقيق للَّافعالية في عدم القدرة على شيء وفي عيشه عالة على الآخرين. كما تدل على أن عجزه عام وليس في جانب واحد لأنه أينما يوجَّه لا يأتِ بخير. وإذا لاحظنا أن الفعالية واللَّافعالية تظهران في كل جوانب الحياة، وتَعُمان كل أجزائها، فإن من الخطأ محاولة علاج مسألة جزئية من نتائج اللَّافعالية دون معرفة شروط الفعالية، التي سيوفِّر تحصيلها خيراً كثيراً، ويختصر لنا الطريق.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية على ضوء ما يساق المَثَل من أجله، نسأل ما الشيء الذي يريد الله أن نفهمه بواسطة هذا المَثَل؟ إنه ينبغي أن ننظر أولاً إلى مضمون المثل الذي يضربه الله بوضوح وبساطة. فبعد الفهم السهل الواضح، ننتقل إلى القسم الآخر الذي من أجله ضرب الله المثل.
ومعنى المَثَل بوضوح وبساطة؛ وهو عدم المساواة بين شخصين، شخص عاجز (كَلُّ) لا يصلح أن يكلَّف بأداء أية مهمة. وشخص آخر نشيط فعال (آمِرٌ بالعدل) إذا توجَّه إلى أمر تشعر بأنه يؤديه على وجهه ويحصل على أحسن النتائج. ونفي المساواة بين هذين الشخصين من أوضح البدهيَّات ومما لا يخفى على أحد. ولكن الهدف من مثل هذا المثل هو التنبه إلى السبب الذي يجعل هذين الشخصين بهذا الفارق البين في قيمة كل منهما. لأن التنبُّه إلى السبب هو المفتاح الأول لتوجيه جهد الإنسان في تحويل الشخص من أن يكون كلاً إلى أن يكون آمراً بالعدل وهو على صراط مستقيم، جعله في (أحسن تقويم) بدل أن يصير (أسفل سافلين). والذي يهدف إليه القرآن هو بيان الحالة التي يصير إليها الإنسان إذا رُبِّي واصطنُع على أساس المنهج القرآني ( أفَمَنْ يمشي مُكباً على وَجهِهِ أهْدى أمَّمْ يمشي سَوِياً على صراطٍ مستقيم ؟ ) الملك- 23 .
-بتصرف-
المصدر: كتاب " الإنسان كلا وعدلا " للمفكر سعيد جودت. ص 14-16
شاركنا بتعليقك