صلة الإيمان بالعمل كصلة الخلق بالسلوك. فإذا آمن الإنسان بالله العظيم، وأيقن باليوم الآخر، وصدَّق ما جاء به المرسلون، دفعه ذلك -لا محالة- إلى استرضاء ربه، والاستعداد للقائه، والاستقامة على صراطه، كما أن الشجاع في ميادين الخطر يقدم، والكريم في مواطن البذل ينفق، والصادق في أداء الحديث يتحرى الحق .. إلخ.
وعسير -بل مستحيل- أن يهبط الإنسان بحقيقة الدين عن هذا المستوى، أو أن يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما يغاير ذلك، بَيْدَ أن أعداء الإسلام -وقد عجزوا عن هزيمته في ساحات القتال- لم تعيهم الحيل لسحقه في عقر داره، فدسوا على المسلمين من يصور لهم الإسلام كلمة لا تكاليف لها، وأماني لا عمل معها.
وفي ظل هذا الفهم المعوج ترى المسلم واليهودي والقبطي يتعاشرون سنين عددا، فلا تستطيع أن تميز أحدهم من الآخر في شيء، الكل لا يدخل مسجدا، ولا يقيم فريضة، ولا يحترم لله شعيرة. والكل يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويفجر بالأعراض.
وغاية ما بينهم من فوارق، أن اليهودي يقدس يوم السبت، وقد يذهب النصراني إلى كنيسته خلسة، أما ذلك المسلم المزعوم فليس يربطه بالإسلام إلا اسم سجل في شهادة الميلاد فحسب، والمؤسف أن أقواما -من أهل العلم الديني۔ لا يكترثون بذلك.
فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد؛ تحصن وراءها، فأصبح يسيرا عليه ألا يقوم إلى واجب، وألا ينتهي عن محرم، وقد زعم هؤلاء المغفلون أن الدين ينص على ذلك! ألا ساء ما يصنعون.
ولو فرضنا أن حزبا ما، تقدم إلى الناس وقد أضاف إلى جملة المواد التي تبين للجماهير منهاجه وتوضح أغراضه، مادة أخرى تصرح أو تلمح بأن لكل منتم للحزب ألا يعمل بمبادئه وألا يتقيد بتعاليمه؛ لقال الناس أجمعون: هذا هو العبث والمجون، فكيف نتهم الإسلام بأنه يحمل في ثناياه ما يهدمه؟
كيف ننطلق إلى نصوص نبحث بينها عن (المادة) التي تبيح الخروج عليه واللعب به؟ وكيف ندعي أن الأعمال أمر كمالي بحت، لا يضير نقصانه؟ أولئك هم الحمقى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ الأعراف: 51.
وعلى رءوسهم يقع التفريط الهائل في إقامة حدود الله وأداء فرائضه، وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الأبتر، أمة تعتبر العمل من الكماليات الخفيفة، كيف يقوم لها دين؟ أو تقوم بها دنيا؟
إن الله عز وجل جعل العمل رسالة الوجود ووظيفة الأحياء، وجعل السباق في إحسانه سر الخليقة ودعامة الحساب: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ الملك: 2.
وما من أية في كتاب الله ذكرت الإيمان مجردا، بل عطفت عليه عمل الصالحات، أو تقوى الله، أو الإسلام له، بحيث أصبحت صلة العمل بالإيمان آصرة لا يعروها وهن، فإذا عقدت مقارنة بين الهدى والضلال، جعل الإيمان والعمل جميعا في كفة، وجعل الكفر في الكفة الأخرى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ غافر: 58.
كثيرا ما يشار إلى الإسلام وحقيقته الشاملة بمظاهر عملية واضحة محدودة: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ♦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ♦ فَكُّ رَقَبَةٍ ♦ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ♦ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ♦ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ البلد: 11-16.
بل إن العلامة التي ينصبها القرآن دليلا على فراغ النفس من العقيدة، وخراب القلب من الإيمان، هي في النكوص عن القيام ببعض الأعمال الصالحة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ♦ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ♦ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الماعون: 1-3.
وقد يُنظَر إلى الإيمان على أنه وصف يلحق الأعمال، ويطرأ على السلوك الإنساني المعتاد، فيصلحه ويصله بالله، فيذكر العمل أولا كما هي مرتبة وجوده، ثم يذكر الإيمان ثانيا على أنه شرط صحته وقبوله ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ الأنبياء: 94.
ثم ما الذي يوزن في الدار الآخرة؟ أليست الأعمال التي تميل بالإنسان إلى النعيم أو الجحيم أو الدعاوى والمزاعم؟: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الأعراف: 8.
إننا نعرف تاريخ أم هلكت بسوء عملها، ونعرف أن الله نقم على قوم لوط -مثلا- لارتكابهم الفاحشة، وعلى قوم شعيب -مثلا- لبخسهم المكيال والميزان، وقد عرفنا مصاير أولئك الفاسقين.
فهل أمتنا، وحدها هي التي تريد أن ترتكب السيئات، دون حذر أو وجل، ليس الإسلام بدعا من الشرائع السابقة، فيوجب الإيمان دون العمل.
بل إن القرآن الكريم ليقص علينا عبر السابقين لنتعظ منها، ثم لنسمع قول الله بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ♦ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ یونس: 13، 14.
هكذا نمتحن وتراقب تصرفاتنا، ويكلفنا الله بالإيمان والعمل جميعا، ثم ينظر وفاءنا بما حملنا من أعباء!.
وقد خاطب الله أبناء آدم -قاطبة- بهذه الحقيقة السافرة، وأفهمهم -في جلاء وقوة- أن نجاتهم في الصلاح والتقوى، لا في النفاق والدعوى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الأعراف: 35، 36.
وعندما اهتدى أولو الألباب إلى الحق، وأعلنوا إيمانهم وهتفوا: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ آل عمران: 193.
وعندما تضرعوا يطلبون من الرحمن أن يصفح عن زلاتهم: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ آل عمران: 193.
وعندما تطلعوا إلى النصر والتمكين في الأرض، والفوز والرضوان في الآخرة: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ آل عمران: 194.
مع هذه الحرارة في الدعاء، والإخلاص في التوجه، أعلن الحق أن استجابته مقرونة بالعمل وحده، وأن الكلام -فحسب- لا يروج، وأن تحقيق هذا الرجاء مرهون بجهاد وتضحيات وتكاليف: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ آل عمران: 195.
إن النصوص الهادية إلى تلازم الإيمان والعمل كثيرة، يزخر بها القرآن وتستفيض بها السنة، وتقر الحق في نصابه، وترسم لكل مسلم غايته، وتخط له مكانته، وتقرع الأذان بذلكم الأمر الحاسم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التوبة: 105.
المصدر: كتاب عقيدة المسلم، محمد الغزالي، صفحة 126-129.
شاركنا بتعليقك