إن التهذيب الذي نُنشِئهم عليه يدفعهم إلى مراعاة الآخرين وإسعادهم، والاعتراف بميزاتهم... وهذه المعاني تتجسد أولاً داخل علاقات أفراد الأسرة بعضهم ببعض، فالبنت تتعلم الاحترام من معاملة أبيها لأمها، وأمها لأبيها، والصغير يتعلم من أخيه الكبير كيف يكون توقير الكبار والرحمة بالصغار، والحقيقة أن من طبيعة الإنسان المحترم جداً أنه يمنح الاحترام لمن يستحقه، ولمن لا يستحقه، وذلك لأن السمو الذي تنطوي عليه جوانحه يمنعه من تصنيف الناس إلى شخص محترم جداً، وشخص محترم، وشخص نصف محترم، وشخص يستحق الإهانة، إن هذا التقسيم لا يصدر عن شخص محترم، وإن احترام الإنسان لغيره يعني الآتي:
أ. احترام ذاته بوصفه إنسانا، فالله عزّ وجل كرّم الإنسان وأسجد لأبينا آدم ملائكته بعد أن نفخ فيه الروح، فالصغير والكبير مهما كان وضعهما يستحقان نوعا من الاهتمام والتقدير والرحمة.
ب. احترام خصوصياته، حيث لا يصح أن نتجسس عليه، ولا أن نخترق مجاله الخاص الذي رسمه لنفسه، كما لا يصح البحث في أوراقه وملابسه، ما لم يجد الأب أو الأم حاجة ماسة لذلك، وهذه تكون عند الارتياب الشديد والظن القوي بوجود خلل في وضع الطفل، أو وجود خطر يهدد حياته.
ج. احترام رأيه وذوقه واختياره وملاحظاته، والاحترام لهذا لا يعني طبعا موافقته على ذلك، فهذا لا يقول به أحد، وإنما يعني الاعتراف بوجود وجهات متعددة في هذه الأمور، ومن حق كل واحد أن يتجه الوجهة التي يراها ملائمة، وأفراد الأسرة بوصفهم وحدة اجتماعية متلاحمة ومتراحمة، لهم على بعضهم حق النصح والإرشاد، وهذا الحق ثابت للصغار والكبار.
د. عدم الضغط على ذلك الغير كي يقول رأيه، أو ما يعتقد في مسألة من المسائل، وعدم الضغط عليه كي يُغيِّر رأيه، أو مذهبه، أو اختياره.
إن البشرية ظلت مددا طويلة من الزمن حائرة في التعامل مع التعانف الاجتماعي الذي يتولد عن التنافس على موارد محدودة، وعلى الجاه والسلطة، وحاولت كسر حِدّته عن طريق ما يسمى: (التراتيبية الاجتماعية)، ورأت في فارق السن والعلم والاستقامة أساساً لذلك، فالكبير يستحق بسبب سنه احتراما من الصغير، والعالم والخبير من الجاهل، والمستقيم الصالح من الأشخاص العاديين ومن هم دون العاديين، وفي أدبياتنا ما يشير إلى شيء من ذلك، على نحو ما نجده في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13، وما نجده في قوله ﷺ: "من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا؛ فليس منا" رواه أبو داود.
الصغير يوقر الكبير ويجله، ويتأدب معه، والكبير يرحم الصغير، ويرق له، ويمد له يد المعونة، والمستقيم التقي يتلقى التقدير والاحترام ممن لم يتصف بذلك، وهو من جهته يشفق عليه، ويرحمه، ويرشده، ويأخذ بيده إلى سبيل الفلاح، إنه احترام مشوب بالتعاطف والرحمة والنفع والتوجيه.
المصدر: كتاب مسار الأسرة، د. عبد الكريم بكار، صفحة 63-65.
شاركنا بتعليقك