إسهامات

البعثة العلمية الأولى:

انتقلت البعثة المزابية الأولى إلى تونس في ماي 1914 وكانت تضم حوالي 10 تلاميذ وتولاها بالرعاية الشيخان أبو اليقظان والحاج عمر العنق وكانت نواة هذه البعثة تلاميذ المدرسة الصديقية بتسبة التي أغلق الاستعمار أبوابها، وقد حرص القائمون على التعليم في مزاب على أن يكون هؤلاء التلاميذ في إطار منظم يكفل سلامة أخلاقهم ويضمن جودة تحصيلهم الدراسي، ولذلك وضع المشرفون على البعثة بعد الاستقرار في تونس نظاما داخليا دقيقا يكفل انضباط التلاميذ في كامل فترات اليوم والأسبوع والشهر حركة وسكونا، عملا وراحة، وكان إمام البعثة هو أبو اليقظان وقد كان حمو بن عيسى المرموري أحد أبرز تلاميذ هذه البعثة.

ولقد حظي تلاميذ هذه البعثة بمقاعد في مدرسة السلام القرآنية التي أسسها الشاذلي المورالي بمدينة تونس، غير أن ظروفا قاسية دفعت أبا اليقظان إلى أن يعود ببعثته إلى البلد في 1915، ويؤسس في ذات السنة مدرسة قرآنية عصرية في القرارة على غرار مدرسة السلام بتونس حيث علّم فيها إلى جانب علوم الدين والعربية العلوم العصرية والرياضة البدنية.

البعثة العلمية الثانية والثالثة والرابعة:

سافرت البعثة الثانية إلى تونس بقيادة أبي اليقظان أيضا، ثم التحقت بعثة أخرى إلى تونس برئاسة محمد الثميني في 1919، وأخرى بقيادة الحاج صالح بن باعلي، فالتقت في تونس ثلاث بعثات مزابية في آن واحد.

وبمناسبة زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس تونس في صيف 1921 استضافته البعثة المزابية هناك بدار السيد باعلي بن الحاج محمد اليزجني الكائنة بنهج المدرسة السليمانية، كعادتها استضافة أعلام الجزائر أو أولياء التلاميذ الذين يزورون تونس، بإقامة حفل أدبي يتبارى فيه التلاميذ ويعرضون فيه بعض نشاطهم.

وحضر الحفل شخصيات جزائرية بارزة من مزاب منهم الشيخ أبو اليقظان والشيخ أبو إسحاق اطفيش والشيخ محمد الثميني والشيخ يوسف بن بكير والشيخ الحاج محمد بابانو والشيخ أحمد بن عيسى قزريط والأخوان محمد وموسى الشّقمة وصاحب الدار المذكور وغيرهم.

ولقد نشر الشيخ عبد الحميد بن باديس ما جرى في هذا الحفل في مقال بجريدة النجاح بانطباعات وطني غيور، ومن ذلك ما يلي: "حللت بتونس فاستدعتني جماعتهم (الجماعة المزابية) إلى الحضور عندهم في دارهم ليلا، فلما فرغنا من العشاء، خرجت إلى صحن الدار شبيبتهم المتعلمة بالمدارس التونسية على الأسلوب الحديث الذي يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية واللغة العربية والفرنسوية مع حفظ القرآن الكريم، فاصطفوا بنظام، وشنفوا أسماع الحاضرين بالأناشيد الوطنية والمدرسية، وتحاوروا بالمناظرة السيفية القلمية، كل ذلك باللغة الفصحى والألسن الذلقة، والجأش الثابت، فرأينا منهم أهلة توشك أن تكون أقمارا، وغروسا طيبة توشك أن تجنى ثمارا، وكنت أنا إزاء ذلك بين عاملين متناقضين؛ عامل سرور وأمل بمن أرى من بني ملتنا ووطننا، من تلك الشبيبة المتنورة بأنوار العلوم، وعامل حزن وأسف من حالة أبنائنا الآخرين الذين منهم من أهملهم آباؤهم فقتلهم الجهل، والتهمتهم الشوارع وأهلكتهم المفاسد والمنكرات ومنهم من تعلموا وأهملوا حتى المبادئ الدينية، وحرموا اللغة العربية لغة الجنس والدين، لغة الآباء والأجداد".

وإضافة إلى ما كان يدرس التلاميذ في المدارس الأهلية التونسية، فإن دروسا وحصصا إضافية كانوا يتلقونها في دار البعثة، ففي مادة القرآن كان يتولى التدريس في بداية العشرينات الشيخ الفقيه علي بن يعقوب النفوسي. وفي الحديث كانوا يتلقون الأربعين النووية للنووي، وفي العقيدة متن التوحيد الذي عربه أبو حفص عمر بن جميع مع شرحه، ويتولى ذلك رئيس البعثة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، كما يتناولون بالحفظ متن الأجرومية وألفية ابن مالك في النحو وأرجوزة الرحبية في علم الميراث.

ولدى عودة أبى اليقظان إلى الجزائر في 1925م استخلف السيد قاسم بن الحاج عيسى على البعثة، ليتفرغ أبو اليقظان لمشروعه التاريخي في مجال الصحافة العربية الحرة.

البعثات العلمية الأخرى:

تواصلت البعثات المزابية إلى تونس بين الحربين وازدادت توسعا في عدد الملتحقين بها بفعل النتائج العلمية التي كان يتحصل عليها الطلبة هناك فيخبرون زملاءهم في الجزائر، وكذلك بفعل مشاركة المزابيين في الحياة السياسية بتونس خاصة في الحزب الحر الدستوري برئاسة عبد العزيز الثعالبي، وكذا بفعل المساهمة في النشاط الأدبي التونسي، فلم يقتصر حينئذ الأمر على المزابيين بل شمل مناطق مختلفة مع التفاوت في الدرجات.

ولم تنقطع البعثات العلمية الجزائرية من أبناء وادي مزاب إلى تونس الخضراء منذ أوائل الحرب العالمية الأولى حتى غداة استقلال الجزائر في أوائل الستينات.

لقد تخرج في تونس دفعات كثيرة من التلاميذ والطلبة من أبناء البعثة المزابية الجزائرية ولعل أبرزهم في عقد العشرينيات مفدي زكرياء الذي كان يتطلع أن يكون على شاكلة أمير شعراء تونس الشاذلي خزندار، ومنهم رمضان حمود الذي كان يتبارى مع شاعر الشباب التونسي أبي القاسم الشابي، فيتناظران في الشعر حين يلتقيان في حلقات الدروس بجامع الزيتونة وخارجها، وباسعيد عدون الذي التحق بالمدرسة الصادقية، وكانت أرقى مدرسة نظامية بتونس، ويوسف بن قاسم تازبينت وسليمان بن صالح نجار اللذان التحقا بمعهد كارنو Carnot الثانوي بتونس.

كما أن التقارير الفرنسية تضمنت أسماء لشخصيات كان لها دور عظيم في نهضة الجزائر ومزاب هم ممن تخرجوا في تونس، ومن أبرزها الشيخ صالح بابكر مؤسس جمعية الإصلاح التي هي من أبرز جمعيات التربية والتعليم بمزاب.

وبعد نشأة معهد الحياة بالقرارة في 1925 بمزاب الذي يشمل المرحلة الإعدادية والثانوية، فكر مسؤولوه في بداية الأربعينات وعلى رأسهم الشيخ بيوض والشيخ عدون إرسال بعثة إلى تونس لمواصلة الدراسة.

ورغم قسوة الظروف التي طبعت سنوات الحرب العالمية الثانية، وكانت تونس أحد ساحاتها فقد ظل الطلبة يغامرون بالسفر إلى هناك فكان منهم محمد لعساكر وصالح الخرفي، وعلي يحي معمر النفوسي الليبي الذي درس بالمعهد المذكور. وهكذا استطاع معهد الحياة أن يواصل مسيرة الشيخ أطفيش التعليمية ويربط الحركة التعليمية العصرية في مزاب بمثيلتها في الجزائر وتونس والمشرق.

-بتصرف-

المصدر: موقع كلية المنار للدراسات الإسلامية

شاركنا بتعليقك