إسهامات

.. ليست تراتيب هذه الأعراس موحدة في جميع مظاهرها بالنسبة للقرى، بل قد تختلف في بعض الجزئيات ولكن مما لا شك فيه أن المساجد ورجالها مشرفون تمام الإشراف على هذه المظاهر سيما ما كان منها أساسيا، ولذلك فأنا أقتصر على ما عرفته وعشته في العطف وبعض ما رأيته في بعض القرى التي عشت فيها زماناً. وإن كنت حينئذ طالبا لا دخل لي في تسيير الأمور ولكن هذا لم يمنعني من الملاحظة.

أزوفغ ن ايمندي:

كنا قبل الحرب العالمية الثانية نبدأ مراسيم الأعراس بالعطف بيوم "إخراج الزرع" وهو بنحو أسبوع قبل ليلة الدخول أو ليلة البناء، ويبدأ هذا اليوم بدعوة العزابة ثم رؤساء العشائر ثم كل عشيرة على حدة، فإذا طلعت الشمس يدخل العزابة أولا فيجدون صاحب العرس أمام داره ومعه جماعة أعيان عشيرته يرحب بالعزابة فيدخلون فيجدون قنطارا من القمح الجيد في وسط الدار ويبسطون نطعا.

فيقوم شابان قويان ويقربون ذلك القمح منهم وهم محلقون فيفتحون كيس القمح ويخرجون منه مقدار النصف ويضعون الكيل فوق ذلك القمح، ويشترك الجميع بملء ذلك الكيل بيد واحدة وهي اليمنى، فإذا امتلأ الكيل أفرغه خادم العزابة أو سقاء المسجد في عدل مهيأ من قبل، ثم يعيدون ملء ذلك الكيل، وغالبا ما يكون حيثة قديمة، وبعد إفراغها للمرة الثالثة يقلبون الحثية فيلقون بأيديهم كذلك كمية من القمح على ظهرها وهو قليل جدا فيفعلون ذلك ثلاث مرات، ثم يكررون نفس العملية، بالنسبة للمُد كذلك يملئونه ثلاث مرات ثم يقلبونه ثلاث مرات، ثم ينحی ذلك القمح ويغسلون أيديهم ثم يفطرون بالسمن والعسل ثم يدعون الله فيخرجون، فيأتي رؤساء العشائر فيفعلون نفس ذلك العمل ثم يفطرون ويدعون الله ثم تتابع العشائر واحدة تلو الأخرى بدون ترتیب، وإنما ألجأهم إلى ذلك ضيق المحل فهم يتجمعون في السوق ويذهبون إلى العرس بالتناوب، وبعد أن يفطر كل المدعون ويخرجون، يتر كون النساء يفطرن كذلك ثم يتداعين للعمل في كامل الأسبوع، أما الشابات القريبات فيمكثن في دار العرس إلى اليوم الثالث بعد العرس أو إلى السابع وأما النساء الكبيرات فإنهن مطلوبات بالحضور كل يوم ولكن حسب ما تسمح به ظروف أعمالهن في بيوتهن، أما الشابات فعليهن الاعتماد في كل الأعمال، وتتابع الأيام هكذا يوم تصفية القمح ويومان لطحنه ويوم لغربلته ثم يوم الفتل ويوم الوليمة، وهذا ما يقع في السابق وبعد الحرب وازدياد عدد السكان واتساع العمران رأی العزابة أن يحذفوا هذه العبارة من عادات العرس لما فيها من تكاليف مادية تثقل كاهل الناس، وعوضت بدعوة العشيرة فقط ثم اختصر الفطور إلى شاي في المساء بدار العشيرة إذا كان الوقت صيفا وفي الليل بعد العشاء إذا كان شتاء.

أما تعليل هذه العادة من الاشتراك في عمل بسيط فهو يشبه ما فعله الرسول ﷺ حين حسم الخلاف بين زعماء قريش في وضع الحجر الأسود مكانه، وأما قلب الكيل فقد سألتُ الكثيرين من شيوخنا ولم يجبني أحدهم جوابا شافيا إلا أن أحدهم قال لي: إنهم يرمزون لذلك إلى تقلب الحال من رخاء إلى شدة، وقد سجلت هذه النكتة لعل القارئ يجد لها تفسيرا، ولربما وجد أحدهم لهذه العادة نظيرا لها في بعض البلدان الأخرى في الجزائر أو خارجها، وقال لي آخر فيه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً والله أعلم بما أرادوا، وقد أُلغيت هذه العادة تماما مع كل ما فيها.

-بتصرف-

المصدر: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي ميزاب. الحاج أيوب إبراهيم بن يحي –القرادي- ص84-86.

شاركنا بتعليقك