السؤال مفتاح العلم، لكن المقدرة على التساؤل ليست متاحة دائمًا؛ فالعقل لا يستطيع أن يتصور أشياء لم ير لها مثيلا أو شبيها؛ إذ كيف يتساءل عن معدات وآلات تتعلق )بالقمر الصناعي)، وهو لم ير ولم يسمع شيئا عنه؟
ومن هنا فإن البيئة الفقيرة بالمعارف والأدبيات والخبرات والموضوعات لا تمد العقل بشيء ذي قيمة ولا تُشغِّله، ولا تدفعه إلى التساؤل والاكتشاف...
هذه الوضعية توجد نوعًا من الفراغ والجمود والاختلال، ومن ثم فإن )المخيلة الشعبية) تنشط لسدِّ الفراغ وإقامة نوع من التكامل والتوازن للعناصر الثقافية المختلفة. ولن تكون المواد المستخدمة في ذلك سوى مزيج من الأساطير والخرافات والمقولات المشبَعَة بالتأملات الخاصة ومحرَّف الاعتقادات... فيشعر المرء أن عنده كل شيء، وفي ثقافته وحياته جواب لكل شيء، وفلسفة لكل مبدأ، وتعليل لكل ظاهرة...
على العكس من هذا كله يؤجج العلم الصحيح نار التساؤل، ومحاولات الفهم والرقي في مدارج المعرفة؛ فقد فجَّر القرآن الكريم في الوسط الأمّي المحدود كل ينابيع الحكمة، ونفض عن الوعي والشعور والعقل كل ما علق بها من أوهام الجاهلية، وأسس يقينًا جديدًا، وصار كل شيء موضع تساؤل وتفهم... ونَمَا العلم نموًا لا نظير له.
وحين أخذت الأمّة في التراجع الحضاري بدأ الناس في تحضير أجوبتهم الخاصة النابعة من السكون والفوضى والانحراف عن المنهج الرباني الأقوم.. وهكذا فأحوالنا الراهنة طبيعية جدًّا، ولا يجوز التساؤل بشأن مُسبباتها، ولا جذورها والمراحل التي مرّت بها؛ فما نحن فيه قضاء وقدر محتوم، لا خيار لنا فيه! ثم إننا بذلنا جهدنا، ولم نستطع أن نفعل أكثر مما فعلناه، ولا نظن أن الإمكانات المتوفرة بين أيدينا تؤهِّلنا لأكثر مما نحن فيه. وما نحن فيه ليس سيئًا جدًّا، فإدمان المخدرات لدينا أقل، وكذلك الأمراض الوبائية، والترابط الاجتماعي لدينا أفضل... ثم إن الحضارة الغربية مادية، وهي ولو بعد حين إلى زوال...
وهكذا وهكذا أوجدنا كل الأجوبة التي تسوِّغ ما نحن فيه، وأسكتنا كل الأفواه التي تضج بالشكوى من سوء الأحوال!!.
وتأتي رسوم التعليم القائم على التلقين ورسوم العلاقة بين الأساتذة والطلاب، لتكمل الحلقة، ولتكبت ما فطر البارئ -جلَّ وعلا- الطفل عليه من حبٍّ للتساؤل والتطلع إلى فهم ما حوله؛ فكثرة الأسئلة قد تكون من أجل حبّ الظهور على الأقران، وهي قد تسبب الحرج للمدرس، وقد يكون السؤال منطويًا على شيءٍ من سوء الأدب، وقد يكون الجواب عليه مما يخدش الحياء، وقد يكون السؤال أكبر من سن الطفل، فالأولى تأخير الجواب عليه. وقد يُقال للطالب: إنك لم تستوعب المسائل السهلة، فكيف تسأل عن المسائل الدقيقة؟ وسؤالك خارج الموضوع، وربما قطع سلسلة أفكار المدرس. وإذا كان السؤال من طالب علم لشيخه حول دليل ما يقوله، فهذا دليل عدم الثقة في الشيخ...!! وهكذا فهناك مجموعة من السيئات تصاحب كل سؤال، وكل تساؤل، وأفضل الخيارات هو الصمت والتأمين على ما يقوله الأساتذة وغيرهم!
كل هذا ونظريات التعليم والتفكير الحديثة تَعُد القدرة على طرح الأسئلة أمارة على الذكاء وجودة الفهم، كما أن من أفضل طرق تنمية التفكير أن نطرح أعدادًا كبيرة من الأسئلة حول القضية موضع المعالجة أو الآلة موضع التطوير، ثم نبحث عن أفضل الأجوبة عليها!!
-بتصرف-
المصدر: كتاب مدخل إلى التنمية المتكاملة، د. عبد الكريم بكار، صفحة 151-153.
شاركنا بتعليقك