إسهامات

إن بإمكاننا معاشر الآباء أن نوجه إلى أولادنا الكثير من النصح، وأن نلفت نظرهم إلى الكثير من الأمور، وهذا ما علينا أن تفعله في اقتصاد ودون إسراف.

لكن استجابتهم واستقامتهم لا تكون في الغالب تأثرت بما نقول، بل بالتفاعل في الوضعية السلوكية العامة لكل واحد منا، وكلما كانت وضعية أحدنا مطابقة لما يقوله كانت قدرته على الإقناع أكبر، وكان تفاعل من يربيهم معه أشد.

وربما لهذا السبب يكون اقتناع الأطفال والفتيان بمعلميهم أقوى من قناعتهم بآبائهم؛ لأن الطفل يرى أباه في كل أحواله الجيدة والسيئة، ولا يرى معلمه إلا في أحسن الأحوال. فالطفل جاهل بمعايير الخطإ والصواب، لذا فإنه يظن أن كل ما يفعله أبواه صواب، وإلا فلما فعلاه.

 حدثني أحد الأصدقاء قائلا: لاحظت عن أخي الصغير القيام بعمل غير لائق، فنهيته عنه ووضّحت له أن ما يقوم به غير صحيح وغير ملائم، فإذا الصغير يقول لي: إن أبي يفعل ذلك، فكيف لا يكون صواب !!

 قال الصديق:

وهنا أُسقِط في يدي فجعلت أشرح له بأسلوب مألوف وموارب خطأ فعله مع محاولة إخراج أبي من هذه القضية... وعدم تعكير صورته في ذهنه .. وبعد أن أنهيتُ كلامي قلت له: ماذا فهمت مني الآن؟

قال: فهمت منك أن أترك هذا العمل الآن، فإذا كبرت قمت به؛ لأن أبي كبير ويقوم به..!

إن الله تعالى يبغض الصور التي تبرز فيها المفارقات بين الأقوال والأفعال، حيث: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ الصف: 1-3، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ البقرة: 44.

لن نستفيد كثيرا من وراء تثقيف أنفسنا بأحدث الأفكار والأساليب التربوية ما لم نكن مستعدين لأن نستخدم تلك الأفكار الأساليب في تربية أنفسنا وتربية أولادنا في آن واحد.

فالأب المدخن عليه إن أراد معالجة مشكلة التدخين عند ابنه أن يكف مع ابنه عن التدخين.

والأب الذي يقصر في أداء صلاة الجماعة ويريد من أبنائه أن يداوموا على أدائها في المسجد، عليه أن يصحبهم معه إلى المسجد، بل أن يسبقهم إليه، وهذا كله لن يأتي إلا باعتماد مجاهدة النفس في ذات الله تعالى دعامة من دعائم الارتقاء التربوي.

وأرى بعد كل هذا أن نقوم بالآتي:

  • تفهم الصغار أن أوضاعنا ليست على ما يرام، وأن كل من في البيت في حاجة إلى أن يغير بعض الأشياء في سلوكه.
  • ننقد أنفسنا ونعترف بأخطائنا، ونناقش مشكلاتنا الأسرية مع أبنائنا، ونرسخ في مفاهيم الأسرة أن التغير نحو الأحسن ممكن في كل مفردات حياتهم
  • نعلن دائما أن بني البشر خطاؤون، وأن خير الخطائين التوابين.
  • نُعلم الصغار أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو القدو الكاملة بالعصمة التي أكرمه الله بها.

المرجع: كتاب "وهكذا يكون الآباء"، عبد الكريم بكار، دار الخلدونية، ص54-56.

شاركنا بتعليقك