إسهامات

الإنسان دائماً بحاجة إلى التوجيه والإرشاد والنُّصح، وتذكيره بما قد يَغفُلُ عنه، والمربي المُحِبُّ المخلِص هو الذي يوجِّه براعمَه دائماً وجهةَ الخير والحق، ويجنِّبهم جاهداً مزالقَ الخطر ومكامن الخطأ؛ بالنصيحة الذكية المؤثرة الهادئة الهادفة، والكلمة الطيبة.

إنَّ لِنُصْحِ المربي أثراً كبيراً في تصحيح بعض الأخطاء التي قد يقع فيها الطفل؛ من إساءة الأدب، أو عدم التحلي بالأخلاق الفاضلة، أو فعل حركات غيرِ لائقة؛ ولهذا فرض الإسلام طريقَة التوجيه والإرشاد والتذكير طريقةً تربوية؛ يستغلها المربي مع من يربيه، والمعلم مع من يُعلِّمه، والمسلم مع أخيه؛ ابتغاءً للخير، ونفوراً عن الشر؛ قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ العصر: 1-3، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ البلد: 17، وقال رسولُ الله ﷺ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ".

واستخدامُ أسلوبِ التوجيه والإرشاد في التربية لا يجعله وَقْفاً على المربي، بل للتلميذ دورُه ورأيُه، ولِوَلِيِّ الأمر دورُه ورأيُه، ويكون للمجتمع كلِّه سُلطةُ التوجيه التربوي، فلا (ديكتاتوريةَ) لفرد، وإنما التربية جِمَاع اهتماماتِ القيادة والتلاميذ، أو أُولي الأمر والمجتمع؛ ولذا جعله الإسلام مبدأً حيويّاً من مبادئ التربية.

وطريقة التوجيه والإرشاد المباشر من أقرب الطُّرُق إلى مخاطبة عقل الطفل، وتَبيين الحقائق له، وترتيب المعلومات الفكرية؛ ليحفظها مع فهمها؛ وهو ما يجعل الطفل أشدّ قَبولاً، وأكثر استعداداً للتلقي، أما اللفُّ والدوران فليس لهما في التعامل مع الطفل نصيبٌ، وهكذا علمَنا رسولُ الله ﷺ أن نخاطبَ الطفلَ في كثير من المناسبات خطاباً مباشراً، بصراحةٍ ووضوح.

وقد مضى كثير من الأحاديث التي رأينا رسولَ الله ﷺ يستخدم فيها هذا الأسلوب في تربية الطفل، ومن ذلك أيضاً ما رُوِي عن أنس -رضي الله عنه- قال: قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا بُنَيَّ، إِذَا قَدِرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِي وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأحَدٍ، فَافْعَلْ"، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا بُنَيَّ، وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّني، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الجَنَّةِ".

فالرسولُ ﷺ كان يعرِض توجيهاتِه ونصائِحَه للطفل بأسلوب سهل مباشر، يتناسب مع قدرة الطفل على الفهم وتقبُّل الخطاب، معتمداً على كلمات مختصرة مفيدة، لا طول فيها ولا إملال، وهو ما ينسجم مع طبيعة الطفل الفكرية.

وأسلوب التوجيه والإرشاد في التربية يحتاج من المربي إلى شيء من الحرص؛ لكيلا تتحول توجيهاته وإرشاداته إلى فضائحَ وهتكٍ للستر فإنَّ مَن نَصَحَ أخاه سِرّاً فقد زانه، ومن نصحه جهراً فقد فضحه وشانه، وإن كان لا بد من الجهر بالتوجيه والنصيحة، فليكن ذلك بالإيماء والإشارة التي تكشف عن النصيحة المطلوبة محفوفةً بالستر بعيداً عن الفضائح، وهو أسلوب حكيم اتَّبَعَهُ النبي ﷺ حيث كان من هديه ﷺ أنه إذا رأى شيئاً من أصحابه أو بَلَغَهُ عنهم شيء، وأراد أن يدلَّهم وسائرَ أصحابِه على الحق فيه؛ فإنه لا يُصرِّحُ بأسمائهم ولكنه يُلَمِّحُ؛ فيسترُهم، ويحصلُ مقصوده ﷺ من النصح، فيقولُ ﷺ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟".

كما في قصة الثلاثةِ الَّذِينَ أَتَوْا بُيُوتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَأَلُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، فَكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا -أي رأوها قليلةً بالنسبة لما ينبغي لهم-؛ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً. وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَصُومُ فَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَداً؛ فَقَالَ ﷺ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا؟!"، ثُمَّ قَالَ: "وَلَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنَ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي". وهو في هذا يُرَبِّي أُمَّتَه بتوجيههم وإرشادهم إلى ما يُقَوِّم سُلُوكَهُم، ويهذِّب أخلاقهم.

-بتصرف-

المصدر: موقع شبكة الألوكة

شاركنا بتعليقك